التخطي إلى المحتوى

عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان القرآن الكريم مكتوباً كله عند النبي إلا أنه لم يكون مجموع في مكان واحد، ولم يتم كتابته على قطع متناسقه حيث أن كل سورة أو مجموعة من قصار السور كان يتم كتابتها في أحجار متناسقة ويتم بعد ذلك ربطها بالخيط ووضعها في بيوت أمهات المؤمنين (زوجات النبي صلي الله عليه وسلم) أو في بيوت بعض كتاب الوحي.

رحلة جمع القرآن الكريم :-

تنقسم رحلة جمع القرآن الكريم إلى ثلاث رحلات الأولي وكانت في عهد النبي صلي الله عليه وسلم، الثانية كانت في عهد الخليفة الأول (ابوبكر الصديق)، الثالثة كانت في عهد الخليفة الثالث للمسلمين (عثمان بن عفان) وسوف نلقي الضوء في هذا الموضوع على الرحلات الثلاث التي تم بها جمع القرآن الكريم كالتالي:-

1- الجمع الأول في عهد النبي صلي الله عليه وسلم:-

نزل القرآن الكريم على النبي محمد صلي الله عليه وسلم مفرقاً ومنجماً وكان النبي حريص أشد الحرص على عدم تفلت شىء منه، حيث كان النبي يردد ما يلقيه عليه جبريل عليه السلام قبل أن ينتهي من تلقينه إلى أن نزل قول الله تعالي : ” لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ” (القيامة: 16-19)، حيث كان النبي يظل صامتاً مطرقاً السمع حتى ينتهي الوحي، ثم يقوم بعد ذلك بدعوة كتبة الوحي ليقوموا بكتابة ما نزل من القرآن الكريم على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وكان كتبة الوحي يكتبون القرآن الكريم على الأدوات الآتية:-

الرقاع (وهي من الجلد)، اللخاف (صفائح الحجارة)، العسب (جريد النحل)، الكرانيف(أصول السعف الغليظ) والأقتاب (الخشب يوضع على ظهر البعير)، والآكتاف (العظم للبعير أو الشاة) (مباحث في علوم القرآن لمناع القطان، ص 123).

وكان صحابة النبي صلي الله عليه وسلم أشد الحرص على حفظ ما يتم نزوله من القرآن الكريم أول بأول لذا فقد مات النبي صلي الله عليه وسلم والقرآن الكريم مجموع في صدور الصحابة رضوان الله عليهم.

كما كان جبريل عليه السلام يعارض الرسول صلي الله عليه وسلم بالقرآن كل سنه في ليالي رمضان ، وفي السنة التي توفي فيها النبي صلي الله عليه وسلم عارضه جبريل مرتين.

أشهر من حفظ القرآن الكريم من الصحابة في عهد النبي :-

الخلفاء الراشدون (أبو بكر، عمر ، عثمان ، على) وعبد الله بن مسعود، سالم بن معقل (مولى أبي حذيفه) ، أبي بن كعب، زيد بن ثابت، أبو زيد بن السكن، أبو الدرداء، سعيد بن عبيد.

كما أن من استكمل حفظ القرآن الكريم بعد وفاة النبي :- السيدة عائشة ، السيدة حفصه ، السيدة أم سلمه ، عبادة بن الصامت ، عبد الله بن عباس، عببد الله بن عمرو بن العاص، عبدالله بن عمر، عبد اللع بن الزبير … وغيرهم.

أشهر كتاب الوحي :- على بن أبي طالب ، معاوية بن أبي سفيان، أبي بن كعب، زيد بن ثابت.. وغيرهم كثر من الصحابة.

ولم يكن القرآن الكريم مجموعاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في مكان واحد لسببين :-

السبب الأول : أن الصحابة كانوا يترقبون نزول الوحي في كل لحظة.

السبب الثاني:- أن وسائل الكتابة لم تكن موجودة بوفرة في ذلك الزمن بل كانت نادرة.

الجمع الثاني :- في عهد خليفة المسلمين الأول (أبوبكر الصديق) رضي الله عنه:-

بعد أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم أرتدت الكثير من القبائل العربية عن الإسلام، وقامت حروب الردة واستشهد فيها عدد كبير من حفظة القرآن الكريم، فطلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أبي بكر الصديق أن يأمر بجمع القرآن الكريم خشية أن يستشهد عدد أخر من حفظة القرآن الكريم في المعارك التي سيدخلونها فيما بعد لنشر الدعوة الإسلامية، فرد عليه أبي بكر الصديق كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى عليه وسلم فظل عمر بن الخطاب يبين لأبي بكر أهمية ذلك ومصلحة المسلمين في ذلك|، وعندما شرح الله صدر أبي بكر الصديق لفكرة جمع القرأن أرسل إلى زيد بن ثابت وامره بالبدء في جمع القرآن الكريم.

بعدها قام زيد بن ثابت وعمر بن الخطاب رضي الله عنها بوضع خطة لجمع القرآن الكريم كالتالي:-

1- أعلنوا للصحابة أن من كان عنده شىء من القرآن مكتوباً فليأت به.

2- شكلوا لجنة من الصحابة تكون مهمتها الاستقبال والمقارنة والنسخ والكتابة وكانت مصادر التوثيق هي :-

1- حفظ اللجنة المكلفة بالجمع وعلى رأس هذه اللجنة زيد بن ثابت وعمر بن الخطاب.

2- ما كتبه كتاب الوحي من القرآن في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم وكان ذلك موزع في بيوت أمهات المؤمنين وبعض كتاب اللجنة.

3- حفظ الصحابي الذي يأتي ومعه القرآن.

4- المكتوب الذي كتبه بعض الصحابه لأنفسهم.

5- شاهدان يشهدان بأن هذا المكتوب تم كتابته بين يدي النبي صلي الله عليه وسلم.

6- إذا اجتمعت المصادر الخمسة على السورة أو الآية تقوم اللجنة بتدوينها في المصحف.

وبهذا فقد أنتهي الجمع الثاني للقرآن الكريم في عهد الخليفة أبو بكر حيث تم جمعه على قطع متناسقه ومتساويه في الحجوم ومرتب الآيات والسور بطريقة لم يشهدها التاريخ البشري من قبل، ولهذا يقوم علي بن أبي طالب أن أعظم الناس أجراً في المصحف هو أبو بكر الصديق لأنه أول من جمع كتاب الله وتم وضع المصحف في بيت أبي بكر، وبعد وفاته رضي الله عنه تم نقل المصحف إلى عمر بن الخطاب ولما توفي عمر رضي الله تم نقل المصحف إلى بيت حفصه أم المؤمنين وعندما جاء عثمان بن عفان الخليفة الثالث للمسلمين طلب المصحف لكي يستنسخ منه نسخاً أخري.

الجمع الثالث :- في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه

بعد أن أتسعت الدولة الأسلامية في عهده حيث وصلت إلى بلاد الهند شرقاً وأرمنيه وأذربيجان شمالاً وإلى مصر وأفريقيا في الغرب ودخلت الجزيرة العربية كلها الإسلام ودخل في الإسلام شعوباً وأمم أخري احتاجوا إلى من يعلمهم القرآن الكريم ويفقهم فيه وكان ذلك كله على عاتق الصحابة رضوان الله عليهم حيث رحلوا إلى الأقطار المختلفة لتعليم شعوب هذه الدول الإسلام.

وكانت شعوب هذه الدول لاتعرف أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف ونتيجة لأن كل صحابي من الصحابة قام بتعليمهم على حرف معين وكانوا يتمسكون بما تعلموه فنشأ عن ذلك اختلاف في القرآت بين هذه الشعوب وقد أنكر بعهضم على بعض هذه القرأت ونشب خلاف فيما بينهم وأثناء تجمعهم في غزو أرمينية وأذربيجان نشأ خلاف فيما بينهم.

نتج على هذا الأختلاف في الأحرف التي نزل بها القرآن وظهور خلافات في القرآت بين شعوب الدول التي دخلت الإسلام حيث كان كل منهم يتمسك بقرأته هو على أنه هو القرأة الصحيحة دون غيرها وسمع حذيفه ذلك فقدم على عثمان بن عفان رضي الله عنه وقال له أدرك هذه الأمه قبل أن يختلفوا في الكتاب كما أختلف اليهود والنصاري، واستشار عثمان بن عفان كبار الصحابة في المدينة الذين أجمعوا على أن يكتب القرآن على حرف واحد ويتم نسخ منه نسخاً إلى الأقطار المختلفة.

وبعد أن أجمع كبار الصحابة في عهد عثمان بن عفان على ضرورة جمع القرآن على حرف واحد ، طلب عثمان نسخة المصحف الذي تم كتابته على عهد أبو بكر الصديق وكان في ذلك الوقت عند أم المؤمنين حفصه فأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بنسخ المصحف فنسخوا منه سبع نسخ أرسلها إلى حواضر المسلمين في مكه المكرمة والشام والبصرة والكوفة واليمن والبحرين وأبقي عنده نسخه منه وقام بإرسال مع كل نسخه قارئاً يعلم الناس قارئة القرآن على الحرف الذي تم جمع القرآن عليه وهو (حرف قريش) ثم أمر عثمان بن عفان بحرق المصاحف التي تخالف ذلك.

وبهذا يعتبر مصحف عثمان هو المصحف الجامع ويسمى الخط الذي كتب به بالرسم العثماني نسبة إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وبهذا قطع عثمان بن عفان على دابر الفتنه التي كانت يمكن أن تنشأ بسبب الخلاف على القرآن الكريم.

الفرق بين جمع عثمان وجمع أبو بكر:- كان الفرق بينهما في الهدف من الجمع والكيفية التي تم الجمع بها كالتالي:-

1- كان الهدف من الجمع في عهد أبي بكر الخوف من ذهاب شىء من القرآن بذهاب من يحمله بسبب استشهاده في المعارك والحروب الإسلامية كذلك ضياع أياً من القطع المكتوب عليها القرآن.

2- أما الهدف من جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان هو قطع الخلاف في قراءة القرآن الكريم والخوف على المسلمين في فتنة قراءة القرآن الكريم.

3- الكيفية التي جمع بها القرآن الكريم في عهد أبي بكر كانت من مصادر متفرقة وغير مرتبة فجمعه عثمان في مصحف واحد مرتب الآيات والسور.

4- الكيفية التي تم جمع القرآن بها في عهد عثمان فكان نسخاً للقرآن الكريم على حرف واحد من الحروف السبعة لتكون مرجع للناس في كل الأقطار الإسلامية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *