تشهد الساحة السياسية والأمنية مواجهة حاسمة وتطورات متسارعة تعيد رسم ملامح القوة العسكرية داخل العراق، حيث أعلنت فصائل مسلحة بارزة تفكيك تشكيلاتها المستقلة والانخراط الكامل في صفوف القوات المسلحة الرسمية، وتأتي هذه الخطوة الجريئة لإنهاء ظاهرة المظاهر المسلحة الموازية وتوحيد القرار العسكري تحت راية القائد العام للقوات المسلحة، مما يمثل تحولًا إستراتيجيًا لفرض سلطة القانون وبناء مؤسسات قوية قادرة على حماية السيادة الوطنية من التدخلات الخارجية والتجاذبات الإقليمية العنيفة.
وحسب تقرير لقناة القاهرة الإخبارية فقد التقى رئيس الحكومة علي الزيدي بوفدين من حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي عقب إعلانهما فك الارتباط كليًا بهيئة الحشد الشعبي، وأسفر هذا اللقاء الحكومي الرفيع عن تشكيل لجنة عليا متخصصة لتسريع آليات دمج المقاتلين والآليات والمعدات اللوجستية تحت مظلة الجيش في العراق، وتهدف هذه الإجراءات الميدانية العاجلة إلى سحب ورقة الفصائل المسلحة من التداول والتوظيف السياسي الداخلي والإقليمي الذي طالما أرق النخب الحاكمة.
إعادة صياغة المشهد العسكري في العراق والتحديات الأمنية الراهنة
وتقود حركة عصائب أهل الحق مع كتائب الإمام علي مسار الاستجابة الطوعية لتسليم السلاح الثقيل والمتوسط لجانب الدولة، وتجري هذه العملية المعقدة تحت إشراف لجان عسكرية مشتركة أسستها الحكومة الجديدة بهدف إقناع بقية الأطراف الرافضة بالانضمام للمشروع الوطني، ويسعى رئيس الوزراء علي الزيدي من خلال هذه المبادرة إلى تقوية حاكمية المؤسسات العسكرية الرسمية ومنع أي تحركات فردية قد تجر البلاد لصراعات دولية خطيرة في العراق.
ويرى مراقبون أن انضواء الفصائل الشيعية منذ عام ٢٠١٤ تحت مظلة الحشد الشعبي كان استجابة لفتوى المرجعية الدينية، وجاءت تلك الفتوى التاريخية لآية الله علي السيستاني من أجل محاربة تنظيم داعش وتحرير المدن المغتصبة، لكن المرحلة الحالية تطلبت تغييرًا جوهريًا في العقيدة الأمنية بعد أن تحولت بعض الألوية إلى قوى موازية تهدد الاستقرار الداخلي عبر تنفيذ هجمات مستقلة على القوات الأمريكية المتواجدة في أراضي العراق.
الدور التشريعي لكتلة صادقون في البرلمان وضمان السيادة الوطنية
ويقع على عاتق كتلة صادقون النيابية التي تمثل الجناح السياسي لعصائب أهل الحق عبء صياغة التشريعات الجديدة، وتستغل الكتلة موقعها كأكبر قوة برلمانية لتوفير الغطاء القانوني والدستوري اللازم لعمليات دمج المقاتلين وحماية أفراد الفصائل، وتضع هذه التحركات التشريعية كافة القوى الرافضة أمام خيارين أحلاهما مر إما الانصياع الكامل للمؤسسة العسكرية الرسمية أو مواجهة العزلة السياسية والشعبية الشديدة داخل دولة العراق.
ويؤكد خبراء القانون أن التعديلات التشريعية المرتقبة ستمنح القائد العام للقوات المسلحة صلاحيات واسعة النطاق لإدارة الملف الأمني، وتشمل التعديلات إلغاء القوانين السابقة التي منحت الحشد الشعبي استقلالية مالية وإدارية بعيدًا عن وزارة الدفاع، ويشكل هذا التحول القانوني خطوة جوهرية لإغلاق الثغرات التي تسببت في انتشار السلاح المنفلت وضياع هيبة الدولة في مختلف المحافظات الحيوية بمناطق العراق.
المواقف التاريخية لمرجعية النجف واستشراف مستقبل الفصائل المسلحة
ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط منتظر العطية أن هذه الخطوة التاريخية تمثل استجابة حتمية للأوضاع الإقليمية المتفجرة، وتأتي هذه القرارات لتجنيب البلاد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتعلة ضد إيران والتي تهدد الأمن الإقليمي، وأشار العطية إلى أن المرجع السيستاني دعا منذ البداية لانخراط المتطوعين في الأجهزة الأمنية الرسمية بدلًا من تأسيس هيئة مستقلة قد تتعرض لضغوطات سياسية دولية في العراق.
وفند الباحث الادعاءات الغربية والإسرائيلية التي تتحدث عن ارتباط الحشد الشعبي العضوي بالحرس الثوري الإيراني بشكل دائم، وأكد أن القرار الأمني العراقي يلتزم بالسيادة الكاملة وينفصل تمامًا عن التوجيهات الخارجية رغم وجود تحالفات سياسية، لكن الضغوط الدولية المتزايدة فرضت على بغداد الإسراع في إنهاء المظاهر المسلحة وتثبيت أركان الحكم العسكري النظامي لحماية المصالح العليا للشعب في العراق.
الإستراتيجية الإيرانية الجديدة للتوازن الإقليمي وتجنب المواجهة العسكرية
وتشير تقارير استخباراتية مطلعة إلى أن طهران اتخذت قرارًا غير معلن لإعادة هيكلة حلفائها في المنطقة، ويهدف الجانب الإيراني من خلال هذا التوجه الجديد إلى تجنب أي صدام عسكري مباشر مع واشنطن، وتسعى الدبلوماسية الإيرانية للوصول إلى تفاهمات تضمن الحفاظ على مصالحها الحيوية دون الإخلال بتركيبة الحكم وصناعة القرار الوطني، مما يسهم في الحد من تداخل النفوذين الأمريكي والإيراني فوق ساحة العراق.
وتعززت هذه الخطوات الأمنية بإعلان الزعيم الشيعي مقتدى الصدر فك ارتباط فصيل سرايا السلام عن التيار الصدري، وسلم الصدر مقاتليه ومعداته بالكامل للحكومة في نهاية شهر مايو الماضي لدعم مؤسسات الدولة العسكرية، وحظيت هذه المبادرة بتقدير رسمي واسع من رئيس الوزراء علي الزيدي الذي اعتبرها نموذجًا يحتذى به لإنهاء المليشيات المسلحة وحصر السلاح المنفلت في العراق.
مستقبل التوازنات السياسية وموقف الكتائب الرافضة لقرارات الدمج
وتواجه الحكومة تحديات جمة في إقناع فصائل راديكالية مثل كتائب حزب الله التي ترفض تسليم سلاحها، وترى هذه الفصائل الرافضة أن سلاح المقاومة يمثل ضمانة أساسية لمواجهة الغطس والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية، وتتصاعد الضغوط الأمريكية على بغداد لاسيما بعد اتهام واشنطن لتلك المجموعات بشن أكثر من ستمائة هجمة صاروخية، واستهدفت الهجمات المنشآت والمصالح الحيوية الأمريكية منذ اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة في العراق.
ويثق الشارع في قدرة القيادة الحالية على تجاوز هذه العقبات الأمنية الكبيرة بفضل الإجماع السياسي المتشكل مؤخرًا، وتدعم القوى السنية والكردية بقوة قرارات رئيس الوزراء الرامية لتطهير المدن من المظاهر العسكرية غير القانونية، ويسعى الجميع لبناء بلد مستقر اقتصاديًا وسياسيًا يعتمد على جيش نظامي قوي قادر على فرض هيبته وحماية حدود العراق.




