تحول استراتيجي خطير في العمليات الأمنية الإقليمية حيث تمكّن الحرس الثوري الإيراني من تشكيل خلايا سرية جديدة داخل الأراضي العراقية بهدف شن هجمات بالطائرات المسيرة ضد دول خليجية تستضيف القوات الأمريكية وتأتي هذه الخطوة التصعيدية لتفادي تحميل الفصائل الشيعية التقليدية المسؤولية المباشرة عن التصعيد ولضمان بقاء النفوذ الإيراني قويًا في المنطقة وحمايته من التحديات السياسية المعقدة التي تفرضها المتغيرات الحالية
وحسب تقرير لوكالة رويترز للأنباء استند إلى ثمانية مصادر عراقية مسؤولة شملت قادة أمنيين وعسكريين بارزين بالإضافة إلى قيادات في فصائل مسلحة فإن هذه المجموعات المستحدثة تعمل خارج الهيكل التنظيمي المعروف لتحالف الفصائل الشيعية المسمى بالمقاومة الإسلامية في العراق حيث تتلقى الأوامر وتدير عملياتها بالتنسيق المباشر مع الحرس الثوري الذي يسعى من خلال هذا الأسلوب إلى امتلاك هامش أوسع لإنكار الصلة بهذه الهجمات وتخفيف الضغوط الدبلوماسية المتزايدة على حكومة بغداد
وتشير البيانات والمعلومات الأمنية المسربة إلى أن تلك الخلايا الأمنية الجديدة تتألف من ثلاث أو أربع مجموعات صغيرة تضم كل منها نحو عشرة مقاتلين شيعة عراقيين من النخبة يمتلكون خبرات عسكرية واسعة في التعامل مع التكنولوجيا العسكرية وقد نجح هؤلاء المقاتلون بتوجيه من الحرس الثوري في تنفيذ ما لا يقل عن سبع هجمات بطائرات مسيرة انطلقت من مناطق صحراوية نائية تقع بين محافظتي البصرة والسماوة جنوبي العراق خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى مايو
تفاصيل الاستهدافات العسكرية والمواقع المستهدفة في الخليج
وقد أكدت المصادر الأمنية أن الهجمات الجوية ركزت على منشآت حيوية وعسكرية في الكويت والسعودية والإمارات وشملت قاعدة علي السالم الجوية ومبنى عسكريًا بمطار الكويت الدولي بينما جرى إحباط الهجمات الموجهة إلى السعودية والإمارات قبل بلوغ أهدافها مما يعكس رغبة الحرس الثوري في ممارسة ضغوط عسكرية مدروسة على الدول التي تضم قواعد ومصالح أمريكية في وقت تشهد فيه المنطقة توازنات أمنية حساسة ومعقدة للغاية تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية بشكل مستمر
ويرى خبراء ومراقبون عسكريون في بغداد أن اللجوء إلى هذه الاستراتيجية وتأسيس تلك المجموعات المنفصلة يعكس تحولًا عميقًا في النهج العملياتي الذي يتبعه الحرس الثوري الإيراني لإدارة أوراقه الإقليمية وجاء هذا التحول بعد التراجع الملحوظ في قدرات الجماعات المسلحة الكبرى واستنزاف مواردها المالية والعسكرية على مدار الأشهر الماضية مما دفع طهران إلى استبدال الفصائل الكبيرة بأخرى صغيرة الحجم وأكثر سرية لتنفيذ المهام الحساسة والخطيرة بمنتهى الدقة والسرية
ويتزامن هذا التطور الميداني مع إعلان فصائل عراقية بارزة مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي عن نيتها تسليم السلاح إلى الدولة والتوجه نحو العمل السياسي المكثف استجابة لضغوط داخلية وخارجية قوية مما جعل الحرس الثوري يتجه للاعتماد على هذه الكوادر العقائدية المخلصة والمدربة التي تخضع لقيادته المباشرة وتتحرك بعيدًا عن الرقابة الحكومية لضمان استمرار الرسائل الصاروخية ومسيرات طهران في أجواء المنطقة وتثبيت أقدامها العسكرية
الموقف الحكومي العراقي والتحديات الأمنية والسياسية لبغداد
وفي المقابل تبذل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العراقية جهودًا مضنية لكشف الهيكل القيادي لتلك المجموعات الغامضة رغم شح المعلومات المتوفرة عنها حتى الآن بينما سارع رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي إلى إدانة تلك العمليات التي استهدفت دول الخليج ووصفها بالأعمال الإجرامية وتعهد بفتح تحقيق عسكري مشترك مع الدول المتضررة لمنع استخدام أراضي العراق في تهديد الجيران والحفاظ على التزامات بغداد الدولية والإقليمية التي تسعى لتعزيزها باستمرار
وتشير التحركات السياسية الأخيرة إلى أن رئيس الوزراء العراقي ناقش مع المبعوث الأمريكي توم برّاك خطة تفصيلية لنزع سلاح الجماعات الخارجة عن القانون وحماية أمن المنطقة بالتزامن مع تأكيدات إيرانية بأن الدعم المقدم لفصائل المقاومة لا يقع ضمن المفاوضات الجارية مع واشنطن رغم الاتفاق المؤقت لإنهاء الحرب وبدء محادثات الملف النووي مما يعني أن الحرس الثوري يحتفظ بأوراقه الميدانية كاملة دون تقديم أي تنازلات في هذا الملف المعقد
وتتخوف الأوساط السياسية في بغداد من أن تؤدي هذه العمليات المستمرة إلى عرقلة المساعي العراقية الرامية لتحسين العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع دول الخليج العربي وخاصة بعد قيام الكويت والسعودية والإمارات باستدعاء السفراء ومبعوثي العراق للاحتجاج رسميًا على تلك الهجمات وسط مخاوف حقيقية من تحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الصراعات بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى مما يهدد الاستقرار الداخلي الهش الذي تحاول الحكومة حمايته بكل الطرق
مستقبل العلاقات الإقليمية في ظل التصعيد الميداني الجديد
وتشير القراءات التحليلية للمشهد الأمني إلى أن طهران تسعى لفصل مسار المفاوضات السياسية مع الإدارة الأمريكية عن أنشطتها الميدانية في الشرق الأوسط حيث يواصل الحرس الثوري الإشراف على أدواته العسكرية لضمان التفوق في أي مفاوضات مستقبلية وتوجيه رسائل ردع غير مباشرة للقواعد الأمريكية في المنطقة مما يجعل العراق في موقف حرج للغاية بين الحفاظ على سيادته الوطنية والاستجابة لمتطلبات الأمن الإقليمي والدولي المفروضة عليه بحكم الواقع
ويبدو أن الفترة القادمة ستشهد صراعًا صامتًا ومحتدمًا بين الأجهزة الأمنية العراقية الساعية لبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها ونزع سلاح الفصائل وبين تلك الخلايا السرية المرتبطة بالحرس الثوري والتي تمتلك مرونة كبيرة في الحركة والتواري في المناطق الصحراوية مما يجعل مهمة رصدها وإحباط عملياتها تحديًا أمنيًا من الطراز الأول يتطلب تعاونًا استخباراتيًا وثيقًا وتكنولوجيا متطورة لمراقبة الحدود والأجواء بشكل دائم لمنع أي تصعيد جديد
وتعكس هذه التطورات مدى تعقيد المشهد في الشرق الأوسط حيث تتشابك الخطوات الدبلوماسية والاتفاقيات السياسية مع العمليات العسكرية السرية على الأرض مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتأرجح بين التهدئة الهشة والتصعيد المفاجئ الذي تقوده هذه الخلايا المدعومة من الحرس الثوري والتي باتت تشكل التهديد الأبرز لجهود الاستقرار والتنمية في الخليج والعراق على حد سواء مما يستدعي يقظة مستمرة من كافة الأطراف المعنية بالأمن الإقليمي




