تحل اليوم الذكرى الرابعة عشرة لرحيل الفنان يوسف داوود، الذي غادر عالمنا في 24 يونيو 2012 عن عمر ناهز 74 عاماً، تاركاً إرثاً فنياً وإنسانياً لا يزال حاضراً في وجدان الجمهور المصري والعربي، لم يكن داوود مجرد فنان كوميدي أتقن رسم البسمة، بل كان إنساناً نبيلاً حملت مسيرته مواقف تكشف عن معدنه الأصيل وقلبه الرحيم، فاستحق عن جدارة لقب "مهندس الضحك".
من الهندسة إلى الفن.. رحلة الشغف المتأخر
وُلد يوسف داوود في الإسكندرية في 8 يناير 1938، وتخرج في كلية الهندسة قسم الكهرباء عام 1960، عمل مهندساً لسنوات طويلة، وظل الفن حلماً مؤجلاً يراوده. ولم يحترف التمثيل إلا عام 1985، بعد أن خطف الأنظار في مسرحية "زقاق المدق" وأشاد النقاد بموهبته الفطرية. تلك النقلة الجريئة من عالم المعادلات إلى عالم الأضواء تكشف عن إيمانه بأن الشغف لا يعترف بعمر، وأن الإنسان قادر على أن يبدأ من جديد متى امتلك الإرادة.

وعكة صحية تكشف معادن الناس
من أكثر المحطات الإنسانية تأثيراً في حياة يوسف داوود وفقا لما رصده موقع تحيا مصر، ما رواه بنفسه عن أزمته الصحية عام 2003. فقد أُصيب بفشل كلوي حاد استدعى خضوعه لعملية زراعة كلى عاجلة. وتزايدت الأعباء المالية عليه بشكل كبير، حتى فكر في بيع مصوغات زوجته وسيارته وكل ما يملك لتوفير تكاليف الجراحة والرعاية اللاحقة.
وفي خضم هذا الظرف العصيب، وقبل العملية بأربع وعشرين ساعة فقط، تلقى اتصالاً مفاجئاً من الفنانة القديرة عفاف شعيب، لم يكن يجمعهما سوى عمل واحد قديم هو مسلسل "للعدالة وجه آخر" قبل أكثر من خمسة عشر عاماً، وشارك معها في مشهد أو مشهدين فقط حين كان في بداية طريقه. ورغم ذلك، بادرت بالسؤال عن ظروفه بجدية شديدة وقالت له: "أنا أريد معرفة تفاصيل ظروفك لأنني أرغب في مساعدتك.. لا يجب أن تشعر بالخجل يا أستاذ يوسف، فنحن إخوة"، وقصدت أخوة المواطنة والوطن.
لم تكتفِ بالكلام، بل أرسلت له باقة ورد ضخمة إلى المستشفى أسعدته كثيراً، وظلت تتصل بانتظام للاطمئنان عليه. هذا الموقف النبيل ظل يوسف داوود يذكره بامتنان حتى وفاته، مؤكداً أن مثل هذه المواقف "لا يمكن أن أنساها أنا أو أي فرد من أفراد عائلتي طوال العمر"، داعياً الله أن يُكثر من أصحاب القلوب الرحيمة.
الزعيم.. صداقة فنية وإنسانية
ارتبط يوسف داوود بعلاقة خاصة مع الفنان عادل إمام، شكّلا معاً واحداً من أنجح الثنائيات في تاريخ السينما والمسرح. قدّما معاً أعمالاً خالدة مثل "الإرهاب والكباب" و"بخيت وعديلة" و"مرجان أحمد مرجان" و"الواد سيد الشغال" و"الزعيم" و"بودي جارد". لكن العلاقة تجاوزت الفن إلى صداقة قوية خارج الكاميرا، وكان داوود يعتبر الزعيم من أقرب أصدقائه. هذا الوفاء المتبادل بينهما كان نموذجاً للعلاقات الإنسانية الراقية في الوسط الفني.
وقدّم يوسف داوود خلال مسيرته نحو 274 عملاً فنياً بين السينما والتلفزيون والمسرح والإذاعة. من أبرز أفلامه: "كراكون في الشارع"، "النمر والأنثى"، "حنفي الأبهة"، "عسل إسود"، "عمارة يعقوبيان". ومن مسلسلاته: "أنا وأنت وبابا في المشمش"، "يوميات ونيس"، "رأفت الهجان"، "عبودة ماركة مسجلة".




