أدى الإعلان عن تفاصيل مقترح اتفاق وقف النار إلى تفاقم الانقسام السياسي الداخلي في لبنان، حيث ظهرت تباينات عميقة في مواقف الرؤساء والقيادات اللبنانية حيال بنود المقترح وآليات تنفيذه الميدانية، وذلك في وقت تواصل فيه الآلة العسكرية الإسرائيلية شن غاراتها المكثفة على مناطق واسعة في الجنوب، تزامنا مع إطلاق تحذيرات أممية ودولية عاجلة من تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والمعيشية نتيجة استمرار وتيرة الأعمال القتالية وتصاعد موجات النزوح الشاملة.
وكفت تقارير إخبارية أن الإعلان الصادر من العاصمة الأميركية واشنطن بشأن مآلات اتفاق وقف النار عن انقسام حاد في البنية السياسية لجمهورية لبنان، إذ اعتبر رئيس البلاد جوزاف عون أن جولات المفاوضات المعقدة حققت اختراقا كبيرا لإنهاء المعاناة، بينما أكد رئيس الوزراء نواف سلام أن خيار التفاوض كان المسار الأقل كلفة لحماية المدنيين، في حين أعلن رئيس البرلمان نبيه بري رفضه القاطع لتلك الصيغة التي وصفها بالهجينة والجائرة بحق السيادة الوطنية.
وجاءت تلك الانقسامات العميقة بالتزامن مع مواصلة الطائرات الحربية الإسرائيلية تنفيذ عملياتها العسكرية وغاراتها الجوية التي طالت محيط مدينة صور التاريخية وعدة بلدات في جنوب لبنان، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات جديدة بوجوب الإخلاء الفوري للسكان من قراهم ومنازلهم، ومما زاد من حدة التوتر الميداني استمرار مقاتلي حزب الله في استهداف تجمعات آليات وجنود الجيش الإسرائيلي المتوغلة في العمق الجنوبي، وسط ظروف إنسانية بالغة التعقيد للمواطنين اللبنانيين المتأثرين بالصراع.
موقف الرئاسة اللبنانية وهجومها على طهران
أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال مقابلة تلفزيونية مع شبكة سي إن إن الأميركية أن الشعب في لبنان قد أنهكته هذه الحرب المستمرة وتداعياتها الكارثية، ووجه عون انتقادات لاذعة ومباشرة إلى القيادة الإيرانية محملا إياها المسؤولية الكاملة عن زج البلاد في أتون صراع مدمر لا يخدم المصالح الوطنية، مشيرا إلى أن طهران تستغل الساحة اللبنانية كورقة ضغط في مسار مفاوضاتها السياسية مع الولايات المتحدة الأميركية، ومعتبرا أن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم لا يمثل تطلعات اللبنانيين.
وأوضح الرئيس اللبناني أن المفاوضات الدبلوماسية التي جرت للتوصل إلى صيغة اتفاق وقف النار كانت شاقة ومستمرة، لكنها أفضت في النهاية إلى تحقيق اختراق معقد وملموس لإنهاء حالة النزوح والدمار، وخاطب عون المسؤولين الإيرانيين بلهجة حادة مبينا أنهم لا يسعون لمساعدة الدولة بل إن المواطنين وحدهم من يدفعون الأثمان الباهظة للمصالح الفئوية، ومشددا على ضرورة استعادة القرار الوطني المستقل وحماية الأمن القومي لجمهورية لبنان بعيدا عن المحاور الإقليمية الصعبة والمؤثرة.
رفض البرلمان للاتفاق واشتراط وقف العدوان
أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري رفضه المطلق لمضمون المقترح الأميركي واصفا إياه باتفاق هجين ومفخخ بشروط إضافية تضر بمصلحة لبنان، وقال بري إن الصيغة كانت تسمح بقراءة إيجابية لو أنها نصت على وقف شامل وغير مشروط للعمليات العسكرية برا وبحرا وجوا ومنع عمليات الهدم والتجريف، مستدركا بأن البنود تم تفخيخها لإلزام حزب الله بوقف القتال وإجلاء جميع عناصره ومعداته إلى شمال منطقة نهر الليطاني دون ضمانات حقيقية ملزمة للجانب الإسرائيلي.
وأضاف رئيس البرلمان أن بند الانسحاب الإسرائيلي شابه الغموض والالتفاف من خلال الحديث عن مناطق تجريبية يمنع دخول القوات الأمنية اللبنانية إليها، مؤكدا أنه يوافق فقط على وقف فوري وشامل لإطلاق النار دون قيود مسبقة وانسحاب متزامن لكافة القوات الإسرائيلية المحتلة من الأراضي التي توغلت فيها، وجاء هذا الموقف متناغما مع ما أعلنه الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الذي تمسك برفض منح إسرائيل أي حق في مواصلة عملياتها العسكرية داخل أراضي لبنان.
حكومة سلام تؤكد عقم الحرب وفرض التفاوض
شدد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نواف سلام على أن الدولة اختارت طريق المفاوضات السياسية باعتباره الخيار الأمثل والوحيد لحماية لبنان، وأشار سلام خلال مؤتمر النداء الإنساني العاجل المنعقد في السراي الحكومي بالعاصمة بيروت إلى أن سكان المناطق الجنوبية يدفعون اليوم أثمانا باهظة لقرار لم يتخذوه وحرب مدمرة ليست حربهم على الإطلاق، موجها التحية والتقدير لأبناء القرى الحدودية الصامدين في منازلهم وأراضيهم رغم القصف الجوي والمدفعي الإسرائيلي المتواصل.
وأوضح رئيس الوزراء اللبناني أن الحكومة نجحت بالتنسيق مع الدول العربية الصديقة وبتفهم واضح من الإدارة الأميركية في صياغة اتفاق لوقف النار، لافتا إلى أن الأوساط السياسية فوجئت بالرفض القاطع الصادر عن قيادة الحرس الثوري الإيراني لبنود هذه التسوية المطروحة، واعتبر سلام أن الموقف الإيراني الأخير يشكل دليلا إضافيا على أن هذه المواجهة المسلحة لا تعبر عن مصالح المواطنين، ومؤكدا بشكل حاسم أن دولة لبنان ليست طرفا في الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران.
تصعيد الغارات الإسرائيلية وأوامر التهجير القسري
واصل الجيش الإسرائيلي على الصعيد الميداني تصعيد عملياته العسكرية وغاراته الجوية العنيفة على امتداد القرى والبلدات في جنوب لبنان، وحرصت القيادة العسكرية الإسرائيلية على توسيع نطاق إنذارات الإخلاء الفوري لتشمل مناطق سكنية جديدة ومأهولة بالمدنيين، الأمر الذي تسبب في موجات نزوح قسرية واسعة النطاق باتجاه العاصمة والمناطق الجبلية، حيث شنت المقاتلات الحربية ضربات مركزة طالت المداخل الرئيسية لمدينة صور الساحلية ومحيط المستشفيات والمراكز الحيوية مما أسفر عن سقوط ضحايا.
وأكدت مصادر ميدانية موثوقة أن الغارات العنيفة خلفت خسائر بشرية ومادية فادحة في الأبنية والمنشآت السكنية الحيوية داخل أحياء مدينة صور، وتزامن ذلك مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس التي أكد فيها استمرار العمليات البرية والجوية دون توقف حتى تحقيق الأهداف المتمثلة في تفكيك البنية التحتية لحزب الله، مما يضع جهود التهدئة أمام اختبار حقيقي ومعقد ويهدد بزيادة وتيرة المعاناة والدمار الشامل في ربوع لبنان خلال المرحلة المقبلة.
الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر الإنساني
حذرت وكالات الأمم المتحدة من تدهور متسارع وخطير للأوضاع المعيشية والإنسانية والاقتصادية في مختلف المحافظات نتيجة استمرار الحرب على لبنان، وأعلنت وكالة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا عن رفع قيمة التمويل المطلوب لخطة الاستجابة الطارئة إلى قرابة ستمائة وأربعين مليون دولار أميركي، مؤكدة أن هذا التمويل العاجل مخصص لتغطية الاحتياجات المتزايدة للمتضررين والنازحين خلال الأشهر الستة المقبلة في ظل التراجع الحاد للقدرة الاستيعابية لكافة مراكز الإيواء الحكومية والأهلية.
وأشارت المنظمة الدولية إلى أن المساعدات الإنسانية المتوفرة حاليا لم تعد تواكب حجم النزوح المتصاعد واليومي للمواطنين من القرى والبلدات المستهدفة بالقصف، وتسعى الطواقم الأممية والدولية إلى توسيع نطاق عملياتها الإغاثية والطبية العاجلة لتصل إلى نحو مليون وأربعمائة ألف شخص في كافة المناطق، وتأتي هذه التحركات وسط تقديرات رسمية وميدانية تشير إلى أن قرابة ربع سكان دولة لبنان باتوا بحاجة ماسة ومستمرة للحصول على المساعدات الغذائية والرعاية الصحية الأساسية.
أخبار متعلقة :