على مدار السنوات الأخيرة، شهدت المرأة المصرية والعربية مكاسب قانونية ومجتمعية واسعة، شملت تشديد العقوبات على جرائم التحرش والعنف الجنسي، وتوسيع نطاق الحماية القانونية للضحايا، فضلاً عن تصاعد حملات التوعية والدعم المجتمعي.
ورغم ذلك، لا يزال سؤال يفرض نفسه كلما تصدرت قضية تحرش أو اعتداء جنسي المشهد العام:
لماذا يتجه جزء من النقاش أحيانًا إلى التعاطف مع المتهم أو القلق على مستقبله، بينما تتراجع معاناة الضحية إلى الخلف؟
السؤال لا يتعلق بالتشكيك في جهود مكافحة التحرش أو إنكار التطور الذي تحقق، لكنه يفتح بابًا أوسع لفهم آليات التفكير الاجتماعي التي ما زالت تؤثر في التعامل مع هذه القضايا.
من الجريمة إلى الجدل
في عدد من القضايا التي أثارت الرأي العام محليًا وعالميًا، لم يقتصر الجدل على تفاصيل الجريمة نفسها، بل امتد إلى مستقبل المتهمين وتأثير العقوبات عليهم.
وتظهر تعليقات من نوع:
"لا تفضحوه.. مستقبله سيضيع"
أو
"إنه صغير السن وأخطأ"
أو
"العقوبة قد تنهي حياته بالكامل".
ويرى متخصصون في علم الاجتماع أن هذه العبارات تكشف عن نمط تفكير يستحق الدراسة أكثر من كونه مجرد رد فعل عاطفي عابر.
ماذا يقول الخبراء؟
ترى الفيلسوفة والباحثة الأمريكية كيت مان، صاحبة مفهوم "التعاطف المنحاز للرجل"، أن بعض المجتمعات تميل بصورة غير واعية إلى التركيز على خسائر الجاني المحتملة أكثر من تركيزها على الأضرار التي لحقت بالضحية بالفعل.
ووفقًا لهذا الطرح، فإن النقاش يتحول أحيانًا من:
"ماذا حدث للضحية؟
إلى:
"ماذا سيحدث للمتهم؟
ويؤكد عدد من الباحثين في علم الاجتماع أن هذه الظاهرة لا ترتبط بدولة بعينها أو ثقافة محددة، بل ظهرت في دراسات غربية وشرقية على السواء، وإن اختلفت درجاتها من مجتمع إلى آخر.
هل السبب قانوني أم ثقافي؟
يرى خبراء القانون أن التشريعات في العديد من الدول أصبحت أكثر وضوحًا وحزمًا في التعامل مع جرائم التحرش والاعتداء الجنسي.
لكن علماء الاجتماع يشيرون إلى أن القوانين ليست العامل الوحيد المؤثر.
فالتغيير القانوني يمكن أن يحدث خلال سنوات قليلة، بينما يحتاج تغيير بعض الموروثات الاجتماعية والثقافية إلى عقود طويلة.
وتوضح الدراسات أن بعض الأفكار التقليدية ما زالت حاضرة لدى فئات من المجتمع، ومنها النظر إلى الرجل باعتباره "مشروع مستقبل" يجب الحفاظ عليه مهما كانت أخطاؤه، في حين يُنظر إلى الأذى النفسي الذي تتعرض له الضحية باعتباره أمرًا يمكن تجاوزه بمرور الوقت.
الضحية.. الخسائر التي لا تُرى
وبحسب متخصصين في الصحة النفسية، فإن آثار التحرش أو الاعتداء الجنسي لا تنتهي بانتهاء التحقيقات أو صدور الأحكام القضائية.
فالعديد من الدراسات رصدت ارتباط هذه الجرائم بارتفاع معدلات:
القلق المزمن.
الاكتئاب.
اضطرابات النوم.
اضطراب ما بعد الصدمة.
فقدان الشعور بالأمان.
صعوبات الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية.
ويشير أطباء نفسيون إلى أن بعض الضحايا يواجهن آثارًا تمتد لسنوات طويلة، وهو ما يجعل الحديث عن "مستقبل الجاني" دون الالتفات إلى "مستقبل الضحية" محل انتقاد متزايد من جانب المدافعين عن حقوق النساء.
لماذا يتعرض كاشف الجريمة للهجوم أحيانًا؟
يرى محللون اجتماعيون أن جزءًا من المشكلة يرتبط بما يسمى "الخوف من الفضيحة الاجتماعية".
فعندما تُكشف جريمة تحرش أو اعتداء، يشعر بعض المحيطين بالمتهم بأن سمعة الأسرة أو المؤسسة أو المجموعة التي ينتمي إليها أصبحت مهددة.
وهنا يتحول الغضب أحيانًا من مرتكب الفعل إلى الشخص الذي كشفه.
ويقول الباحثون إن هذه الظاهرة ليست مرتبطة بالتحرش فقط، بل تظهر في قضايا فساد وعنف وانتهاكات أخرى، حيث يواجه المبلغون أو الشهود ضغوطًا اجتماعية تفوق أحيانًا الضغوط الواقعة على الجناة أنفسهم.
المرأة المصرية.. مكاسب حقيقية وتحديات مستمرة
لا خلاف بين الخبراء على أن المرأة المصرية حققت خلال السنوات الأخيرة مكاسب مهمة على المستويات القانونية والمؤسسية والمجتمعية.
فقد شهدت البلاد تطويرًا للتشريعات المتعلقة بمكافحة التحرش والعنف ضد المرأة، إلى جانب تنامي دور المؤسسات الداعمة للضحايا وارتفاع مستوى الوعي العام بالقضية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات.
لكن متخصصين يؤكدون أن نجاح القوانين لا يعني انتهاء الظاهرة بالكامل.
فكل تقدم قانوني يحتاج إلى دعم ثقافي وتعليمي وإعلامي مستمر ومستنير ، يستطيع أن يواكب عقول فئات كثيرة في المجتمعات حتى تتحول قيم احترام المرأة ورفض العنف ضدها إلى سلوك يومي راسخ داخل المجتمع.
بين العدالة والتعاطف
يشدد خبراء القانون على أن ضمان المحاكمة العادلة حق أصيل لكل متهم، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى تجاهل لمعاناة الضحية أو التقليل من آثار الجريمة عليها.
فالعدالة، بحسب مختصين، لا تعني فقط حماية حقوق المتهم، بل تعني أيضًا الاعتراف الكامل بما تعرضت له الضحية وتوفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي اللازم لها.
السؤال الذي ما زال مطروحًا
بعد عقود من النضال الحقوقي والتشريعات والإصلاحات، يبدو أن المعركة لم تعد تدور فقط داخل قاعات المحاكم، بل أيضًا داخل العقول والثقافات الاجتماعية.
ولهذا يبقى السؤال حاضرًا:
هل أصبح المجتمع أكثر انحيازًا للضحايا مما كان عليه في الماضي؟
الكثير من المؤشرات تقول نعم.
لكن خبراء يؤكدون أن الطريق لم يكتمل بعد، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في سن القوانين فقط، بل في الوصول إلى مرحلة يصبح فيها السؤال الأول عند وقوع أي انتهاك:
"كيف ننصف الضحية؟بدلًا من الانشغال بالسؤال:
"كيف نحمي صورة الجاني أو مستقبله؟
أخبار متعلقة :