أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف والمفتي السابق لجمهورية مصر العربية، أن حكمة الله سبحانه وتعالى قد اقتضت أن تختلف آراء البشر في صغائر الأمور وكبائرها.
وأوضح أن هذا التباين يعود إلى أن الله عز وجل خلق العباد متفاوتين في العلم، والفهم، والأمزجة، والميول، والتوجهات الفكرية والاجتماعية.
وأشار جمعة، في بيان نشره عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، إلى أن هذا الاختلاف الفطري غالباً ما يؤدي إلى نشوب خصومات ونزاعات بين أفراد المجتمع أو جماعاته بمختلف فئاتهم، مشدداً على أن هذا الأمر يعد سُنَّة إلهية طبيعية ومشاهدة في الكون. واستشهد في هذا السياق بقوله تعالى في سورتي هود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
أسباب الخلاف ودور الشيطان في إذكاء الفتن
واستعرض عضو هيئة كبار العلماء مسببات النزاع، مؤكداً أنها كثيرة ولا تقع تحت حصر، إلا أن معظمها يبدأ في مهده بسيطاً ويسيراً، وكان من الممكن تلافيه واحتواؤه لو أحسن أطراف النزاع التصرف، وراعوا حقوق الأخوة، وامتثلوا للأوامر والضوابط الشرعية.
وأضاف الدكتور علي جمعة أن غياب الحكمة يفتح الباب أمام تدخل الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، والهوى المتبع، فضلاً عن دور أهل الإفساد والشر والنميمة. ولفت إلى أن هذه العوامل المجتمعة تؤدي إلى إيقاع البغضاء بين الناس وإذكاء نار العداوة، حتى تتحول الشرارة المحدودة إلى فتنة عظيمة وشر مستطير يحمل عواقب وخيمة على المجتمع، حيث يقع الإثم، وتحل القطيعة، ويتفرق شمل الأسر، بل قد يصل الأمر إلى هتك الأعراض، وسفك الدماء، وانتهاك الحرمات، مما يؤدي في النهاية إلى إفساد ذات البين، ووقوع "الحالقة" التي تحلق الدين وتدمر الروابط الاجتماعية.
السنة النبوية والترغيب في التوفيق بين المتخاصمين
وفي إطار تأصيله الشرعي لأهمية السلم المجتمعي، استدل الدكتور علي جمعة بما ورد في السنة النبوية المطهرة، مستشهداً بالحديث الشريف الذي يرفع من قيمة العمل الاجتماعي والإصلاحي فوق بعض العبادات التطوعية.
"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»" — سنن الترمذي
وأوضح جمعة أن الشريعة الإسلامية لم تترك الناس هملاً يتمادون في هذه النزاعات والخصومات التي تفكك النسيج الوطني والأسري، بل شرعت لهم طريقاً واضحاً لمنع تفاقمها، وهو اتباع سبيل إصلاح ذات البين، مستشهداً بقوله سبحانه وتعالى في سورة النساء: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وكذلك قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
مفهوم الإصلاح وآلياته في المجتمع
واختتم عضو هيئة كبار العلماء حديثه بتعريف المفهوم الإجرائي والشرعي لـ "إصلاح ذات البين"، موضحاً أنه يتمثل في السعي الجاد والتوسط المحمود بين الأطراف المتخاصمة لرفع الخصومة وإنهاء الاختلاف، والوصول إلى صيغ مرضية تقوم على التراضي والمسالمة؛ وذلك تجنباً لولادة البغضاء والتشاحن، ومنعاً لإيراث الضغائن بين الأجيال.
وشدد على أن السعي بين الناس بغرض الإصلاح يتطلب منهجاً أخلاقياً نبيلاً، يقوم على أن "يُنَمي الساعي خيراً، ويقول خيراً"، عبر نقل الكلام الطيب والتقريب بين وجهات النظر، والابتعاد تماماً عن نقل الوشايات أو تأجيج الصراعات، بما يضمن استعادة الوئام والاستقرار داخل البنية المجتمعية.
أخبار متعلقة :