تتصاعد في إيران حدة التقارير التي تكشف عن حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الأطفال واليافعون في ظل الأزمات المعيشية الخانقة، حيث تحول هؤلاء الصغار من البحث عن لقمة العيش وسط الورش ومواقع البناء والمتاجر إلى مواجهة رصاص القمع المباشر في الشوارع، وذلك إثر انخراطهم القسري في الاحتجاجات الشعبية المتكررة التي تشهدها البلاد نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب أي أفق واضح للمستقبل الواعد
الحكايات الدامية لجيل ضائع في شوارع المدن
وحسب تقرير لموقع اندبندنت فارسية فإن عشرات الأطفال والمراهقين الذين لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة كانوا ضحية لعنف الأجهزة الأمنية، إذ برزت أسماء كوكبة من اليافعين مثل مهدي وأبو الفضل وبنيامين وأمير حسين وسام وجواد ورضا وميلاد وأمير مهدي وبويا، والذين عرفوا مبكراً قسوة الفقر والعمل القسري في بيئة اقتصادية متدهورة حرمتهم من أبسط حقوق الطفولة الأساسية والتعليم
وقد مثل هؤلاء الضحايا الذين سقطوا في الاحتجاجات الأخيرة شرائح واسعة من المجتمع الإيراني الكادح، فمنهم طلاب مدارس كانوا يحلمون بمستقبل أفضل ينهي معاناتهم اليومية، ومنهم مراهقون اضطروا منذ سنوات الطفولة المبكرة إلى دخول سوق العمل الشاق لمساعدة عائلاتهم المنهكة ماديًا، ليصبحوا معروفين في الأوساط المحلية باسم أطفال العمالة الذين يواجهون ظروفًا بالغة القسوة
ولم يكن الحضور الواسع لهؤلاء الأطفال والمراهقين المنتمين إلى الطبقات المتوسطة والفقيرة في هذه الحركات الاحتجاجية ظاهرة عابرة أو محصورة بفترة زمنية معينة، بل هو نمط متكرر يعكس حقيقة الأزمة العميقة التي يعيشها صلب المجتمع، وذلك خلافاً للروايات والاتهامات الرسمية الصادرة عن السلطة القضائية والأجهزة الأمنية التي تحاول دائماً وصف المحتجين بأنهم عناصر أجنبية تسعى للتخريب
وتؤكد الوقائع الميدانية أن ضغوط الفقر المتزايدة واتساع الفوارق الاجتماعية الصادمة وتدهور القوة الشرائية للمواطنين، بالإضافة إلى عدم الاستقرار الاقتصادي العام، هي الدوافع الحقيقية التي دفعت هذه الفئات الحية إلى حافة الانفجار الشعبي، حيث لم تترك السلطات لهم أي خيار سوى الخروج للتعبير عن رفضهم للواقع المرير المطلي بالقمع والاضطهاد المستمر
روايات صادمة لضحايا رصاص القمع المباشر
وعلى الرغم من التزام العديد من العائلات بالصمت التام تحت وطأة الضغوط الأمنية المشددة والتهديدات المستمرة، فإن الروايات القليلة التي خرجت إلى العلن تكشف صورة مأساوية عن جيل يحمل أعباء تفوق سنه بكثير، ومن هؤلاء محمد نوري البالغ من العمر سبعة عشر عاماً والذي قتل في مدينة قم المقدسة بعدما استهدفته قوات الأمن بإطلاق نار مباشر خلال اقتحامها لتجمع احتجاجي سلمي
وفي سياق متصل يبرز اسم الشقيقين رسول ورضا كديوريان المنحدرين من حي جعفر آباد الفقير في مدينة كرمانشاه، حيث كان الشقيقان يعملان في مهن شاقة ويرتبطان بكفاح يومي مرير لتأمين قوت يوم عائلتهما، قبل أن تطلق القوات الأمنية النار عليهما لتنتهي حياتهما في المستشفى متأثرين بجراح بالغة في الصدر والبطن وسط لوعة الأهل والأصدقاء
أما الفتى بويا درخشان البالغ من العمر سبعة عشر عاماً فقد ألقت الأزمة المعيشية بظلالها الثقيلة على طفولته المبكرة، حيث كان يعيش مع جديه ويضطر للعمل منذ صغره لمساعدتهما، حتى انتهت حياته برصاصة اخترقت قلبه في منطقة هفت حوض بالعاصمة طهران، لينضم إلى قائمة طويلة من اليافعين الذين دفعوا ثمنًا باهظًا للمطالبة بحد أدنى من الحياة الكريمة
وفي مدينة أراك فتحت قوات القمع النار على المحتجين في ساحة شورا مما أدى إلى مقتل اليافع أمير مهدي نعمتي نجاد، وهو فتى لم يتجاوز السبعة عشر عاماً وكان يعمل في مجال الخياطة الشاقة لتأمين معيشته، وتكشف قصته وقصص أقرانه عن عمق الأزمة الاقتصادية الخانقة التي جعلت مستقبل المراهقين والشباب في إيران مظلماً ومفتوحاً على احتمالات الموت في أي لحظة
رسائل الحرية والكرامة Mغمورة بالدماء
ومن بين الضحايا يبرز ميلاد حسن زادة الذي حاول التغلب على البطالة بإطلاق مشروع إلكتروني لبيع العطور عبر الإنترنت، وقبل خروجه للمشاركة في التظاهرات ترك رسالة مؤثرة لعائلته يؤكد فيها اختياره العيش بكرامة وشرف وتفضيله الشهادة في سبيل الشجاعة، وقد حظيت مقاطعه المصورة باهتمام واسع على منصات التواصل الاجتماعي بعد مقتله برصاص القوات الأمنية التي لم ترحم رغبته في التعبير الحر
أما الطفل أبو الفضل نوروزي البالغ من العمر أربعة عشر عاماً فقط فقد قتل قرب قاعدة للباسيج في مدينة مشهد إثر إصابته برصاص حي، وكان هذا الطفل قد اضطر لترك دراسته التي يعشقها ليصبح المعيل الرئيس لأسرته عبر العمل في ورشة ميكانيك، حيث كان يحلم بشراء دراجة نارية من كسبه الخاص والعودة للدراسة في المدارس الليلية لكن الرصاص أنهى أحلامه البسيطة
وتتجلى القسوة بوضوح في قصة جواد كاظمي البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً والمنحدر من أسرة معدمة في محافظة طهران، حيث فقد والدته وكان والده يعاني من إعاقة جسدية شديدة مما اضطر جواد للعمل منذ سن العاشرة لتأمين الاحتياجات الأساسية، حتى أصيب بثلاث رصاصات غادرة أنهت مسيرة كفاحه الصغير وحرمت عائلته من معيلها الوحيد وسط صمت دولي مطبق
وفي منطقة قلعة حسن خان بطهران سقط الطفل سام صحبت زادة البالغ من العمر أربعة عشر عاماً بعد إطلاق النار عليه، وتشير الشهادات إلى أنه ترك المدرسة منذ سن العاشرة لمواجهة عوز عائلته الشديد، وفي نفس الليلة والمكان قتل الفتى أمير حسين سرتيبي البالغ خمسة عشر عاماً والذي كان يعمل سائق توصيل على دراجة نارية لإعالة والدته وأخوته بعد وفاة والده
الفواتير الباهظة لثمن الرصاص والموت القاسي
ولم تقتصر المأساة على قتل الأطفال بل امتدت لتشمل ابتزاز عائلاتهم ماديًا ونفسيًا من قبل الأجهزة الحكومية المختلفة، وتجسد ذلك في قصة الفتى رضا كاووسي البالغ من العمر ستة عشر عاماً والذي هاجر لتعلم مهنة الميكانيك قبل أن يقتل برصاص الأمن في مدينة كرج، حيث اضطر والده لبيع سيارته الوحيدة لتأمين مبلغ ضخم طلبته السلطات تحت مسمى ثمن الرصاص لتسليم الجثة
وفي حي نازي آباد بالعاصمة طهران أنهت قوات النظام حياة الطفل اليتيم أبو الفضل وحيدي البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً بإطلاق رصاصة على عنقه، وكان هذا الطفل يعمل ليلاً حتى الصباح لتأمين قوته بعدما تخلى عنه والده، وكان يحلم بشراء حذاء رياضي بسيط كأقرانه، لتتحول أحلام الطفولة في إيران إلى كوابيس دامية تلاحق الفقراء والمهمشين في كل زاوية
وينضم الفتى مهدي كشاورز داداشي البالغ من العمر سبعة عشر عاماً إلى القائمة بعد إصابته برصاصتين في الصدر والقلب بمنطقة پرند، حيث كان يعمل في تركيب الأسقف الجبسية الشاقة لتأمين لقمة العيش لشقيقته التي يعيش معها، وتصفه الروايات بالشجاعة والاجتهاد والقدرة الفائقة على تحمل مسؤوليات عائلية جسيمة تفوق سنه الصغير بكثير قبل أن يغتال الرصاص الحكومي طموحاته المشروعة
إرث الانتفاضات المستمرة وتكرار النمط الدموي
إن استهداف أطفال العمالة واليافعين الكادحين ليس وليد الأحداث الأخيرة بل هو امتداد لسياسة قمعية ممنهجة شهدتها إيران خلال الأعوام الماضية، وتحديداً خلال انتفاضة مهسا أميني في عام ألفين واثنين وعشرين حيث قتل الفتى آرتين رحماني البالغ سبعة عشر عاماً بمدينة إيذج إثر إصابته بثلاث رصاصات، وكان يعمل متدرباً في ورشة ميكانيك ويعشق السيارات وصيانتها وترك رسائل مؤثرة لوالدته
وفي ذات السياق قتل اليافع محمد إقبال نايب زهي خلال أحداث الجمعة الدامية في مدينة زاهدان حيث كان يعمل عاملاً في قطاع البناء الشاق، وتشير الروايات الموثقة إلى أنه سار لمسافة اثني عشر كيلومتراً على الأقدام لعدم امتلاكه أجرة المواصلات قبل أن تطاوله رصاصة الغدر من الخلف وتنهي حياته الكادحة التي تلخص مأساة التمييز والفقر
وتعود الذاكرة أيضاً إلى احتجاجات نوفمبر من عام ألفين وتسعة عشر حيث سقط الفتى محسن محمد بور أبو جديعي بمدينة المحمرة، وكان محسن يجمع بين الدراسة الثانوية والعمل في البناء لمساعدة أسرته الفقيرة، ليكون هؤلاء الأطفال ضحايا مبكرين لبنية اقتصادية وسياسية حولت الصغار إلى قوة عمل رخيصة ومهمشة ثم أنهت حياتهم بالرصاص الحي عند مطالبتهم بالحقوق
إن الحصيلة المؤلمة لأسماء هؤلاء الأطفال المقتولين تعكس عمق الفجوة بين السلطة والشعب في إيران، حيث تدفع الطبقات المسحوقة الثمن الأكبر من دماء أبنائها في سبيل لقمة العيش والكرامة، وتظل قصصهم شاهدة على مأساة إنسانية مستمرة تتجاوز مجرد أرقام في تقارير حقوقية لتصبح جرحاً غائراً في ذاكرة الأجيال الصاعدة التي تبحث عن مستقبل مفقود
أخبار متعلقة :