كرس غو شياو بينغ، البالغ من العمر 63 عاما، وهو مدير سابق لمستشفى للأمراض المعدية فى مدينة لينفن بمقاطعة شانشى شمال الصين، أكثر من 20 عاما من حياته لإنشاء ملاذ تعليمى للأطفال المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، وبدأت مهمته عام 2004 بعدما لاحظ وجود أطفال داخل جناح الإيدز بالمستشفى بلغوا سن الدراسة، لكنهم كانوا محرومين من الحصول على تعليم مناسب، وعلى إثر ذلك، قرر تحويل أحد أجنحة المستشفى إلى فصل دراسى مؤقت، حيث تولى مع الممرضات تعليم الأطفال نظام بينيين وجداول الضرب، بحسب scmp.
وكان جميع هؤلاء الأطفال قد أُصيبوا بفيروس نقص المناعة البشرية عند الولادة، فيما فقد كثير منهم آباءهم بسبب الإيدز أو تعرضوا للتخلى بعد فترة قصيرة من ولادتهم، ورغم ذلك، فإن التشخيص المبكر والعلاج المستمر والرعاية المناسبة تتيح لهم إمكانية عيش حياة طويلة وصحية، واستذكر غو لاحقا قصة أم سلمته طفلها قبل وفاتها، ومع تزايد أعداد الأطفال لم يعد الفصل الدراسى الصغير قادرا على استيعاب الجميع.
مدرسة للأطفال المصابين بمرض نقص المناعة
وفى عام 2006، وبمساهمات من المستشفى والجمهور، أسس مدرسة الشريط الأحمر الابتدائية، التى حملت اسمها نسبة إلى الشريط الأحمر الذى يمثل الرمز العالمى للتوعية بفيروس نقص المناعة البشرية والرعاية والأمل، وتعد هذه المدرسة الوحيدة فى الصين التى توفر تعليما بدوام كامل للأطفال المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية.
تحديات التأسيس ومعركة مواجهة التمييز
واجهت المدرسة خلال سنواتها الأولى العديد من التحديات، حيث ساد الخوف بين كثيرين، وأصبح توظيف المعلمين أمرا بالغ الصعوبة، كما فر بعض عمال التجديد بمجرد علمهم بأن الطلاب مصابون بفيروس نقص المناعة البشرية، ورغم هذه العقبات، نجح غو بفضل إصراره فى تشكيل فريق صغير من المعلمين البدلاء والمقيمين، من بينهم معلم كان مصابا بالفيروس نفسه.
ولم تخلُ المدرسة من الجدل، إذ انتقد البعض تخصيص أموال المستشفى لمشروع رأوا أنه غير مضمون النتائج، بينما اعتبر آخرون أن فصل الأطفال تعليميا يمثل شكلا من أشكال التمييز، واعترف غو بوجود هذه المعضلة، لكنه أكد أن هذا الخيار كان الوسيلة الوحيدة لحماية الأطفال من مجتمع لم يكن مستعدا لتقبلهم بشكل كامل.
مدير المدرسة
وفى عام 2011، بدأت الحكومة المحلية تقديم الدعم المالى للمدرسة، وبعد فترة قصيرة استقال غو من منصبه كمدير للمستشفى ليتفرغ بالكامل لإدارة المدرسة، وتضم مدرسة ريد ريبون الابتدائية اليوم مهاجع وفصولا دراسية وكافيتريا ومساحات مخصصة للأنشطة المختلفة، كما توفر فحوصات طبية ورعاية تمريضية ودعما علاجيا للطلاب.
وبالنسبة للأطفال المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، يمثل تناول الدواء يوميا مسألة حياة أو موت، لذلك يشرف المعلمون على كل جرعة من الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، إدراكا منهم أن تفويت يوم واحد فقط قد يهدد سنوات من التقدم العلاجى، وتشير التقارير إلى أن جميع التلاميذ فى المدرسة لديهم حاليا مستويات غير قابلة للكشف من الفيروس، ما يعنى أن الفيروس مكبوت بشكل فعال وأن خطر انتقاله منخفض للغاية.
وعلى مدار سنوات طويلة، خاض غو أيضا معركة مستمرة ضد التمييز المجتمعى، فقد استذكر فترة كان فيها بعض القرويين يرفضون قبول الأموال من طلاب المدرسة خوفا من انتقال الفيروس عبر الأوراق النقدية، أما اليوم، فأصبح أصحاب المتاجر المحلية يعرفون أطفال الشريط الأحمر ويتعاملون معهم بالاحترام نفسه الذى يلقاه الآخرون.
وقال غو لوسائل الإعلام في الصين" خلال كل هذه السنوات، لم يمت أى طفل فى المدرسة، إنها معجزة"، وأضاف: "الفرق الوحيد بينهم وبين الأطفال الآخرين هو أنهم يتناولون حبة دواء إضافية واحدة يوميا"، كما شدد على أن الأطفال الذين يولدون مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية ليسوا مذنبين، ويستحقون التفهم والكرامة ومكانة لائقة داخل المجتمع.
قصص نجاح تلاميذ المدرسة واستمرار الرسالة
كانت كويكوى، وهو اسم مستعار، من أوائل التلاميذ الذين التحقوا بالمدرسة، إذ كانت تبلغ من العمر 7 سنوات عند وصولها إليها، وخلال طفولتها تعرضت للسخرية والازدراء من أطفال منطقتها، لكنها لا تزال تتذكر أول لقاء جمعها بغو عندما شاركها وعاء من الطعام، وهى لفتة لم يكن كثيرون مستعدين للقيام بها، وقالت لوسائل الإعلام: "شعرت بالقبول".
مع الأطفال
وفى عام 2017 التحقت كويكوى بالجامعة، ثم عملت لاحقا فى شركة متخصصة فى الذكاء الاصطناعى، وفى عام 2022 عادت إلى مدرسة الشريط الأحمر بدعوة من غو، وبعد عام واحد احتفلت بزفافها داخل المدرسة، وكان زوجها أيضا مصابا بفيروس نقص المناعة البشرية.
ومن بين الطلاب أيضا هوجى، البالغ من العمر 17 عاما، وهو اسم مستعار لشاب ينحدر من جبال داليانغ فى مقاطعة سيتشوان جنوب غرب الصين، وقد وُلد مصابا بفيروس نقص المناعة البشرية، وفقد والديه وثلاثة من إخوته الأصغر سنا بسبب الإيدز، وفى عام 2022 سافر غو إلى المنطقة الجبلية لنقل عدد من الأطفال المصابين بالفيروس إلى مدرسته، وكان من بينهم شقيقة هوجى الكبرى، ولم يكن اسم هوجى مدرجا فى القائمة بسبب محدودية الأماكن المتاحة.
لكن غو اتخذ قرارا بضم الصبى إلى المدرسة، وهو قرار غير حياته بالكامل، وأصبح هوجى اليوم مكرسا لدراسته ويطمح إلى أن يصبح طبيبا وأن "ينقذ البشرية"، كما يشارك فى أنشطة البيع الخيرية التى تنظمها المدرسة ويدخر الأموال لشراء الهدايا لشقيقته الكبرى.
وبعد تقاعد غو عام 2023، تولت وانغ شيا، زميلته السابقة ورئيسة الممرضات فى مستشفى الأمراض المعدية، إدارة المدرسة، وكانت وانغ من أوائل من شاركوا فى تدريس الأطفال داخل الفصل الدراسى الذى أُنشئ فى جناح المستشفى، كما تعمل ابنة غو أيضا ضمن طاقم المدرسة.
وحتى عام 2025، أفادت التقارير بأن مدرسة ريد ريبون الابتدائية تضم 46 تلميذا، إضافة إلى دعم 16 آخرين من خلال تغطية تكاليف تعليمهم ومعيشتهم، وعلى مدار السنوات، رعت المدرسة 127 طفلا من 14 مقاطعة مختلفة، ويعمل حاليا 65 من خريجيها بدوام كامل.
وقد تزوج عدد من هؤلاء الخريجين وأنشأوا عائلات خاصة بهم، كما رزقوا بأطفال أصحاء بفضل الإجراءات الوقائية التى تمنع انتقال العدوى من الأم إلى الطفل، وهو ما ساهم فى كسر حلقة انتقال فيروس نقص المناعة البشرية بين الأجيال.
أخبار متعلقة :