في خطوة علمية لافتة تعزز آمال العالم في الوصول إلى مصدر طاقة نظيف وشبه غير محدود، عاد مفاعل الاندماج النووي الكوري KSTAR، المعروف إعلاميًا باسم «الشمس الاصطناعية»، إلى دائرة الاهتمام بعد نجاحه في تشغيل بلازما فائقة السخونة داخل مفاعل توكاماك لفترات قياسية، بينها 102 ثانية في وضع الاحتواء العالي المعروف باسم H-mode.
ووفقًا لبيان نشرته منصة EurekAlert نقلًا عن المعهد الكوري للطاقة الاندماجية KFE، نجح فريق KSTAR في الحفاظ على بلازما بدرجة حرارة أيونية بلغت 100 مليون درجة مئوية لمدة 48 ثانية، إلى جانب تشغيل وضع H-mode لمدة 102 ثانية، وهو نمط تشغيل أساسي للحفاظ على البلازما عالية الحرارة والكثافة داخل أجهزة الاندماج النووي.
ما حقيقة رقم 102 ثانية؟
رغم تداول عنوان «تشغيل شمس اصطناعية لمدة 102 ثانية عند 100 مليون درجة»، فإن التفاصيل العلمية أكثر دقة، حيث أن رقم 102 ثانية يشير إلى استمرار وضع H-mode، أما البلازما عند 100 مليون درجة مئوية فاستمرت لمدة 48 ثانية. وهذا الفارق مهم علميًا، لأن الإنجاز لا يتعلق فقط بإشعال بلازما شديدة السخونة، بل بالقدرة على إبقائها مستقرة ومحصورة مغناطيسيًا لفترة أطول.
ويُعد هذا التقدم قفزة كبيرة مقارنة بالأرقام السابقة لـ KSTAR، إذ حقق الجهاز سابقًا تشغيلًا عند 100 مليون درجة لمدة 30 ثانية في عام 2021، قبل أن يرفع الرقم إلى 48 ثانية في حملته التجريبية الأخيرة.
لماذا 100 مليون درجة؟
الاندماج النووي هو العملية نفسها التي تُنتج طاقة الشمس والنجوم، حيث تندمج نوى ذرات خفيفة لتكوين نوى أثقل، مع إطلاق كمية هائلة من الطاقة، لكن على الأرض لا توجد الجاذبية الهائلة الموجودة في قلب الشمس، لذلك يحتاج العلماء إلى تسخين الوقود إلى درجات حرارة هائلة، تصل إلى أكثر من 100 مليون درجة مئوية، حتى تزداد فرص اندماج النوى الذرية.
وفي مفاعلات التوكاماك مثل KSTAR، لا يمكن لأي مادة أن تلامس هذه البلازما مباشرة؛ لذلك تُستخدم مجالات مغناطيسية قوية لحبسها داخل غرفة مفرغة على شكل حلقة، ومنعها من الاصطدام بجدران المفاعل.
التنغستن.. المعدن الذي غيّر قواعد التجربة
أحد أسرار الإنجاز الكوري هو استبدال أجزاء من المفاعل كانت تعتمد على الكربون بمكوّنات جديدة مصنوعة من التنغستن، خصوصًا في منطقة الـ divertor، وهي منطقة تعمل كـ«منفذ عادم» للبلازما، حيث تتعامل مع الحرارة والشوائب والجسيمات الخارجة من حافة البلازما.
ووفقًا للمعهد الكوري للطاقة الاندماجية، أظهر الـ divertor الجديد المصنوع من التنغستن زيادة في درجة حرارة السطح لا تتجاوز 25% تحت أحمال حرارية مماثلة مقارنة بالمكونات الكربونية القديمة، ويمنح ذلك العلماء قدرة أكبر على تشغيل المفاعل لفترات أطول وبطاقة تسخين أعلى، وهي خطوة ضرورية قبل الانتقال من التجارب القصيرة إلى تشغيل طويل يشبه ظروف محطات الطاقة المستقبلية.
كيف يتم استخدام هذا الإنجاز علميًا؟
لا يُستخدم KSTAR لإنتاج الكهرباء تجاريًا حتى الآن، بل باعتباره مختبرًا متقدمًا لفهم سلوك البلازما والتحكم فيها. وتُستخدم بياناته في تطوير تقنيات أساسية، منها:
- اختبار قدرة المواد، خصوصًا التنغستن، على تحمل الحرارة الشديدة داخل المفاعلات.
- دراسة كيفية منع الشوائب المعدنية من دخول قلب البلازما، لأنها قد تبردها وتؤدي إلى فقدان الاستقرار.
- تطوير أنظمة تحكم لحظية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لرصد تغيرات البلازما والتعامل معها فورًا.
- تحسين تقنيات التسخين وحقن الوقود والتحكم في التيار داخل البلازما.
- دعم مشروعات عالمية أكبر مثل ITER في فرنسا، ومفاعلات DEMO المستقبلية التي يُراد منها إنتاج الكهرباء بالفعل.
أحدث التطورات العالمية المرتبطة بـ KSTAR
بحسب موقع ITER الرسمي، نجح نظام التحكم في البلازما الخاص بمشروع ITER في العمل على جهاز KSTAR خلال حملة 2026، وحقق أول بلازما تحت هذا النظام في 10 مارس 2026، مع تجاوز أهداف الاختبار الأولية في تيار البلازما ومدة التشغيل، وهذا يعني أن KSTAR لم يعد مجرد تجربة كورية محلية، بل أصبح منصة عالمية لاختبار أنظمة التحكم التي ستُستخدم في أكبر مشروع اندماج نووي في العالم.
كما أطلقت فرنسا وكوريا في 2025 برنامجًا مشتركًا بين WEST وKSTAR لدراسة التشغيل طويل النبضة في بيئة تعتمد على التنغستن، وهي بيئة مشابهة لما تحتاجه محطات الاندماج المستقبلية.
ماذا يعني ذلك لمستقبل الطاقة؟
علميًا، لا يعني هذا أن «الشمس الاصطناعية» أصبحت جاهزة لإضاءة المدن غدًا، لكنه يعني أن الباحثين يقتربون من حل واحدة من أعقد مشكلات الاندماج النووي: كيف نحافظ على بلازما ساخنة ومستقرة لفترة طويلة بما يكفي لإنتاج طاقة مستمرة؟
ووفقًا لموقع ITER، فإن الاندماج النووي يمكنه نظريًا إنتاج طاقة ضخمة دون انبعاثات كربونية مباشرة، وبوقود متوافر مثل الديوتيريوم والليثيوم، ومن دون مخاطر الانصهار الكارثي المرتبطة بالمفاعلات النووية التقليدية، لكن الطريق لا يزال طويلًا، لأن العلماء يحتاجون إلى تشغيل مستقر لآلاف الثواني، وتحقيق فائض طاقة عملي، وتطوير مواد تتحمل القصف النيوتروني والحرارة لسنوات.
منافسة عالمية مشتعلة
لا تتحرك كوريا وحدها في هذا السباق. ففي يناير 2025، أعلن مفاعل EAST الصيني، المعروف أيضًا باسم «الشمس الاصطناعية»، تحقيق تشغيل للبلازما في وضع الاحتواء العالي لمدة 1,066 ثانية، وهو رقم قياسي عالمي في التشغيل طويل النبضة. وتوضح هذه المنافسة أن العالم يدخل مرحلة جديدة من سباق الاندماج النووي، حيث لم تعد المشكلة مجرد الوصول إلى حرارة هائلة، بل التحكم الطويل والمستقر في البلازما.
الهدف التالي: 300 ثانية
يستهدف فريق KSTAR الوصول إلى تشغيل بلازما عند 100 مليون درجة لمدة 300 ثانية، أي خمس دقائق كاملة، وهو هدف يمثل خطوة وسيطة مهمة نحو مفاعلات اندماج قادرة على العمل بصورة مستمرة. ولتحقيق ذلك، يعمل الباحثون على تطوير أنظمة التسخين، وتحسين التحكم في التيار، واستكمال استخدام مكونات التنغستن، وإدخال أنظمة تحكم لحظية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
إنجاز KSTAR لا يعني أن الكهرباء الناتجة من الاندماج النووي أصبحت في متناول الأسواق الآن، لكنه يقدم دليلًا جديدًا على أن التحكم في «طاقة النجوم» داخل أجهزة أرضية لم يعد خيالًا علميًا. فكل ثانية إضافية من البلازما المستقرة تعني بيانات أكثر، ومواد أفضل، وأنظمة تحكم أذكى، وخطوة جديدة نحو عصر قد تصبح فيه طاقة الاندماج أحد أعمدة الكهرباء النظيفة في العالم.
أخبار متعلقة :