موقع تن لاينز الإخباري

باسم الصبروتي يكتب: يا مصر.. بتعمليها إزاي؟!

طول عمرنا نربط حزام الأمان ونحن نشاهد المنتخب؛ مستعدون جيلًا بعد جيل لـ«السيناريو البايخ»، تلك العقدة الأزلية التي تجعلنا نخسر في الدقيقة 90 بكرة طائشة، أو نخرج بحسبة برما معقدة تحتاج لعلماء رياضيات من وكالة ناسا لتفسير كيف ضاع الحلم.

 

لكن هذه المرة، قررت مصر أن تخلع ثوب الدراما الحزينة، وتفوز بكأس العالم. هكذا قاطعة حاسمة، بلا مقدمات منطقية، وبأداء يجعل المرء يتساءل بذهول حقيقي: «يا مصر بتعمليها إزاي؟!» كيف تتحول تلك الكركبة، والارتباك، وضغط الدم الذي يرتفع مع كل تمريرة، إلى ملحمة تاريخية تُبكي جيلًا كاملًا لم يكن يحلم بأكثر من مجرد التمثيل المشرف؟

كتالوج الفرحة على القهوة

المجد هنا ليس للمستطيل الأخضر وحده، بل لتلك الروح التي دبت في شوارع مصر ،المجد لكراسي القهاوي البلاستيكية التي تحملت فرط الحماس، ولصوت الريسيفر المتأخر بثواني الذي يجعل الشارع ينفجر بالفرحة على مراحل كأنه زلزال متتالي الارتدادات.

 

المصريون في هذه البطولة لم يشجعوا كرة قدم؛ هم كانوا يصفون حسابات قديمة مع سنوات من الإحباط والانتظار في كل هدف كان هناك ثأر بايت مع النحس، وفي كل تصدي لـ مصطفى شوبير كان هناك دعاء أم مخلص هز شباك السماء قبل أن يهز شباك الخصوم، نحن شعب يصنع من اللاشيء حفلة، فما بالك لو كانت الحفلة هي كأس العالم؟

 

العبقرية المصرية والارتجال الذكي

المنطق الرياضي في الغرب يتحدث عن خطط تكتيكية معقدة، وتغذية مدروسة، وتحليلات بالكمبيوتر أما في كتالوج الفوز المصري، فهناك دائمًا مساحة للعفوية العبقرية والارتجال الذكي النابع من الموهبة.. الروح التي تجعل لاعبا منهكا يقاتل على الكرة وكأنه يحمل أمانة غالية وثقيلة وضعها ملايين البسطاء في قدميه، وجينات الصبر العجيبة التي تجعل الدفاع يتحول إلى سد منيع لا تفسير علمي له سوى صلابة الإنسان المصري وقت الشدة.

خلطة العميد والملك 

هنا على الدكة رجل لا يعترف بالهزيمة، حسام حسن الذي نقل نبض الشارع وحماس المدرج إلى قلب الملعب، ليصنع توليفة غريبة من الجرينتا المصرية الخالصة؛ حيث اللعب بروح الفدائي الذي يدافع عن بيته ، وفي الأمام، يقف محمد صلاح بقيمته وخبرته وقدرته السحرية على ضبط إيقاع الأحلام، يقود كتيبة من المقاتلين الذين تعاهدوا ألا يعودوا إلا بنصر يليق بنا.

 لقد تحولت ثقافة الخوف القديمة إلى ثقافة فوز واثقة صلبة، تولدت من اندماج عناد العميد الأسطوري بهدوء الملك وسحر موهبته، ليعيدوا صياغة الروح المصرية في أبهى صورها؛ الروح التي ترفض أن تكون مجرد رقم، وتصر أن تترك بصمتها في عمق التاريخ.

تركيبة مصر العجيبة

لقد انتصرت تركيبة مصر الخاصة جدا؛ تركيبة تجمع بين الفن والهزار، بين الجدية القاتلة في اللحظات الأخيرة والضحكة التي تخرج من قلب الأزمة، انتصرت رغبة هذا الشعب في أن يثبت للعالم كله، وبعناد شديد، أنه قادر على خطف المستحيل من فم الأسد وإعادته إلى الحارة مصرياً خالصاً.

 

الآن، والبهجة تلف البيوت المصرية من أولها لآخرها، تجلسون وسط عائلاتكم تنظرون إلى الوجوه التي أضاءت فجأة بابتسامة غابت طويلًا ، تتأملون فرحة الأولاد الصغار وتشعرون بامتنان عميق؛ لأن لعبة بسيطة استطاعت أن تجمع القلوب على قلب رجل واحد، وتهدينا لحظة حب صافية كنا نحتاجها جميعا، لتذكرنا جميعا بأن الطيبين في هذا البلد يستحقون دائمًا أن يسعدوا من قلبهم، ويشعرون بامتنان عميق لمصر التي تعرف كيف تباغتنا بأجمل أسرارها في أكثر الأوقات التي نحتاج فيها إلى الفرحة.

صاحبة السر الأعظم

يا مصر، يا صاحبة السر الأعظم، يا من تنامين على أمل وتستيقظين على معجزة.. كيف تحولين دائما صبر السنين إلى نصر تاريخي يدرس؟ لا أحد يعرف الإجابة، لكن الأكيد أن هذه الليلة ستبقى في ذاكرة الحواري والمقاهي، الليلة التي تذكرنا فيها جميعا، ولأول مرة في كأس العالم، أننا فراعنة حقاً حين نريد.

 

أخبار متعلقة :