أخبار عاجلة

إيدنا طايلة

إيدنا طايلة
إيدنا طايلة

السياسة هى لعبة حسابات وتوازنات كثيرة ومختلفة.. وكل دولة لديها ثوابتها وعقيدتها، ولكن للسياسة وجوه كثيرة، وفى مصر أيًا كانت المتغيرات التى تفرضها السياسة، فإن للدولة وجيشها عقيدة لا تتبدل ولا تتحول أيًا كانت الظروف، والقيادة السياسية الحالية فى مصر أثبتت على مدار عقد كامل أنها تعرف جيدًا ماذا تفعل.

الحكمة والثبات على المبدأ هما شأنها رغم قسوة الأزمات التى نمر بها، والحفاظ على الأمن القومى المصرى وحرية الأراضى المصرية هما عقيدتها.. وأعتقد أن حرب غزة ومحاولة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء كانتا موقفين كاشفين تمامًا لعقلية وعقيدة هذه القيادة وحكمتها، التى سيتحدث عنها التاريخ كثيرًا بفخر.

لذلك عندما تم الكشف عن وجود قوات مصرية فى الإمارات التى أطلق عليها مفرزة المقاتلات المصرية، كان واضحًا تمامًا موقف مصر، التى عليها دائمًا القيام بدورها الإقليمى فى حفظ الأمن لتحقيق الأمان فى منطقتها، والذى هو فى الأساس حفاظ للأمن القومى المصرى.

مصر لها دور مهم منذ بداية الحرب الإيرانية- الأمريكية، بداية من لعب دور الوسيط لإنهاء الحرب، مرورًا بدورها اللوجستى تجاه الأشقاء فى الخليج الذين تعرضوا لهجمات عنيفة لوجود القواعد الأمريكية على أراضيهم، إلى دوريها السياسى والأمنى.

وبالتأكيد خلف الكواليس هناك كثير مما تفعله مصر ولا يعلن عنه لأسباب سياسية، لذلك وجود مفرزة القوات المصرية هو واجب مصر الكبيرة تجاه محيطها العربى، وهو ما أدركته القيادة الإيرانية، وتفهمته إيران جيدًا، وظهر هذا جليًا فى الرد الإيرانى الرسمى عندما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائى عن مفرزة المقاتلات المصرية فى الإمارات، إن علاقة بلاده مع مصر مبنية على الاحترام المتبادل، نقلًا عن وكالة «تسنيم». وأضاف بقائى أنه يوجد تواصل مستمر بين وزيرى خارجية البلدين بشأن القضايا الثنائية والإقليمية، وأن ما يتعلق بالأمن والاستقرار الإقليميين شأن يخص دول المنطقة وحدها، وقال أيضًا فى الرد على سؤال مباشر حول إرسال مصر طائرات مقاتلة إلى الإمارات «إنه من حيث المبدأ موقفنا الثابت هو رفض أى تدخل يقوّض الأمن الإقليمى والثقة الإقليمية، ولا يهم مَن يقوم بهذا العمل، ويجب ضمان الأمن الإقليمى من قبل دول المنطقة، وتعزيز الثقة الجماعية فيما بينها». وقال كذلك بشكل واضح «إن هذا النوع من الأمن الذى يمكن الاعتماد عليه حقًا، وقد أظهرت التطورات التى حدثت خلال الستين يومًا الماضية أن الأمن الذى يعتمد على وجود قوات أجنبية فى المنطقة، لن يؤدى إلا لتفاقم انعدام الأمن، ولن يفيد منطقتنا بأى شكل من الأشكال».

ومن خلال هذا الرد الإيرانى الواضح، يتبين أن إيران نفسها تعرف تمامًا دور مصر، وتدرك حجمها، وتعلم أنه يقع على عاتقها حفظ الأمن فى المنطقة، وأن حماية والدفاع عن الدول العربية هو شأنها، فهو المحيط الذى يشكل أمنها القومى، وأنه لا مشكلة لديهم فى وجود قوات مصر فى الخليج، لأن مصر هى أكبر دولة فى هذا الإقليم، المشكلة لديهم فى وجود القوات الأجنبية، وبالطبع يقصد القوات الأمريكية.

غير أنه من الضرورة وأد الفتن، خاصة فى زمن الحرب، والبيت العربى ضعفته الفتن كثيرًا، وفتتت قوته، كما تجعله لقمة سهلة البلع، والطامعون كثر.

مصر أرسلت من قبل قواتها لتحرير الكويت من غزو العراق عام ١٩٩١، وكانت الأمور واضحة، وكان الشعب فى هذا الوقت يتفاخر بذلك، لأن المكانة الحقيقية تترسخ بالفعل لا بالقول فقط، وعندما تريد المحافظة على مكانك ودورك، لا بد أن تكون موجودًا، خاصة فى أصعب الأوقات، لا تستنكر وتشجب عن بعد. 

ووجود القوات المصرية فى الخليج، وبشكل عام، لحفاظ مصر على دورها التاريخى والأصيل حتى لا يشغله عدوها فى غيابها، وحماية لدول الخليج وللأمن القومى المصرى وحقوق الشعوب وحريتها، حتى لا يطمع فيها أو ينهبها أى أحد، ولا ينفرد بها أحد، وترسيخ لمكانة مصر الكبيرة وقوتها، كما أنها عنصر أمان لدول المنطقة، وقد شاهدنا جميعًا فرحة الشعب الإماراتى الذى اطمأن وشعر بأمان حقيقى لوجود المفرزة المصرية. 

وقد أفادت تقارير عبرية بأن وجود القوات المصرية فى الخليج سبب انزعاجًا شديدًا لإسرائيل، كما أنها رسالة إقليمية ودولية بأن مصر دائمًا على أتم الاستعداد والجاهزية، وأنها حاضرة فى المشهد بوضوح، وليست متفرجة، خاصة فى إقليمها ومحيطها العربى، ولن تترك مكانها لأحد.