بينما كان العالم يتابع تفاصيل مكالمة نتنياهو وترامب المثيرة للجدل، كان نتنياهو على الجانب الآخر يحتفل بتعيين رومان جوفمان «سكرتير نتنياهو العسكرى» رئيسًا جديدًا للموساد، خلفًا لـ«ديفيد برنياع» الرجل الذى فعل كل شىء بهدوء دون تصريحات، ودون تهديدات، ودون ضجيج. أنهى المهمات كلها بهدوء.
نتنياهو كان يريد صرف الانتباه عن الأحداث مع ترامب ولبنان وإيران، فاستغل منصة الموساد، ومنها وجّه رسائل للجميع، قال: «إن النظام فى طهران (لن يعود لتهديد وجودنا) كما فعل فى الماضى، من خلال التقدم نحو امتلاك سلاح نووى، أو نحو امتلاك مخزونات ضخمة من الصواريخ الباليستية».
وأضاف نتنياهو مخاطبًا جوفمان: «لقد تغلبت على كل العقبات. لقد تخطيت طريقًا وعرًا للحصول على هذا التعيين»، فى إشارة إلى العديد من الالتماسات المقدمة إلى المحكمة العليا لمنع تعيينه ومعارضة مدير الموساد المنتهية ولايته، ديفيد برنياع، حيث جاءت الموافقة الرسمية على تعيينه بعد أن وافقت لجنة التدقيق، برئاسة رئيس المحكمة العليا السابق آشر جرونيس، على جوفمان، بعد أشهر من التأخير.
قال نتنياهو إن من بين الأسباب التى دفعته لاختيار جوفمان قدرته على «رؤية الصورة الكاملة مع الغوص فى التفاصيل، وموهبة استثنائية فى استخدام الدهاء- بمعنى الخروج على المألوف- والبحث عن شىء لم يفكر فيه العدو، ولكنه يمكن أن يكون بمثابة أساس لتحقيق نصر كبير».
لم يكن من المفترض أن يكون رومان جوفمان، البالغ من العمر ٤٩ عامًا، الذى انتقل إلى إسرائيل من بيلاروسيا فى سن ١٤ عامًا، رئيسًا للموساد، فلو لم يتم تعيينه رئيسًا للموساد، لكان من الممكن أو غير الممكن أن ينتقل من منصب السكرتير العسكرى لنتنياهو إلى منصب قيادى رفيع آخر فى الجيش الإسرائيلى، وذلك اعتمادًا على علاقاته مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلى، الفريق إيال زامير.
ربما كان زامير يشك فى جوفمان، كما يشك قادة الجيش الإسرائيلى أحيانًا فى السكرتير العسكرى لرئيس الوزراء، نظرًا لمدى ولائهم للمؤسسة الدفاعية أو السياسية، إلا أن ما حدث أن جوفمان انتقل إلى رئاسة جهاز تجسس ضخم، ما سيجعله فى الأساس مساويًا لزمير.
وبالمناسبة، علمت صحيفة «واشنطن بوست» أن جوفمان يحظى بدعم زامير الكامل، وأن زامير- بغض النظر عن علاقتهما أثناء عمل جوفمان مع نتنياهو- يتذكر بحنين العمل مع جوفمان فى بعض الأدوار العسكرية السابقة.
بغض النظر عن طريقة تعيين «جوفمان»، ولكن الأهم ما الذى سيفعله؟ أو بالأحرى كيف يمكن المقارنة بينه وبين خلفه ديفيد برنياع؟
ليس من السهل تلخيص سنوات برنياع على رأس الموساد، هو لم تنقصه إنجازات، تصفية العلماء الإيرانيين، والقضاء على القيادة والنخبة العسكرية فى إيران وحزب الله، والحصول على معلومات استخباراتية دقيقة فى الوقت الفعلى، وإنشاء شبكة من العملاء المحليين، وغيرها الكثير من الأحداث التى يصعب حصرها فى خضم الحرب، أما الانتقادات بسبب هجوم ٧ أكتوبر، فعلى عكس رئيس الأركان هرتسى هاليفى، ورئيس الاستخبارات العسكرية أهارون هاليفا، ورئيس جهاز الشاباك رونين بار، وقائد القوات الجوية اللواء تومر بار، وقائد القيادة الجنوبية يارون فينكلمان، وقائد الوحدة ٨٢٠٠ يوسى شاريل، وقائمة طويلة من كبار المسئولين الآخرين، نجا الموساد وبرنياع، فلم يتهم أحد الموساد بالإهمال.
لكن كيف يُعقل أن يجتمع وكلاء طهران فى بيروت وطهران وأماكن أخرى، لمناقشة تدمير إسرائيل وخطة حماس لغزو المناطق المحيطة، دون أن يطرح الموساد هذا الموضوع؟
كان لدى الموساد وبرنياع دليل براءتهما. أُجرى تحقيقان، حسب التحقيقات، لم يتوافر أى معلومات استخباراتية، مثل اجتماعات سعيد إيزادى «المبعوث الإيرانى»، يمكن تتبعها فى اجتماعات أو عبر قنوات اتصال تابعة للموساد. وقال بارنيا فى اجتماع مغلق: «لو كان لدينا مثل هذه المعلومات، لتحركنا بناءً عليها ومنعنا هجمات ٧ أكتوبر». هذا تصريح مهم وملزم، لكنه يتطلب دليلًا.
وأضاف بارنيا فى محادثات داخلية مع معاونيه: «أُجريت التحقيقات بشفافية تامة. بحثنا فى كل مكان عن أى دليل يشير إلى إمكانية تنفيذ توقيت الغزو المُقترح. لم نجد أى دليل»، بينما كانت المهمة الأصلية للموساد تأخير ومنع إيران من امتلاك قنبلة نووية، قال بارنياع عند توليه منصبه: «طالما أنا رئيس الموساد، لن تمتلك إيران قنبلة نووية»، وكرر هذا الكلام فى كل مرة سُئل عنها. بينما غادر منصبه يوم الثلاثاء، حين لا تمتلك إيران قنبلة نووية.
أما جوفمان؟ فحسب التصريحات الأخيرة، فهناك من يقول إن مهمة الموساد الحالية هى إسقاط النظام فى طهران.. بعد أن فشلت المهمة فى الحرب الأخيرة، لم يعدنا «جوفمان» بعد بأنه سيفعل، لكننا سنرى.




