في الوقت الذي كان اللبنانيون يترقبون أن يشكل اتفاق وقف إطلاق النار فرصة لالتقاط الأنفاس ووقف نزيف الدم، عادت الغارات الإسرائيلية لتضرب عمق الأراضي اللبنانية، فيما استمرت المواجهات العسكرية على الحدود الجنوبية، لتكشف مجددًا هشاشة التفاهمات السياسية والأمنية التي رافقت الإعلان عن الاتفاق. وبينما تتوسع العمليات العسكرية الإسرائيلية وتزداد الخسائر البشرية والمادية، يبرز سؤال يفرض نفسه على المشهد اللبناني: من يتحمل مسؤولية ما يحدث اليوم في لبنان؟
لم يكن استمرار التصعيد الإسرائيلي بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ مجرد تطور عسكري عابر، بل عكس واقعًا أكثر تعقيدًا يتمثل في غياب رؤية لبنانية موحدة لإدارة الأزمة، واستمرار الانقسام بين مؤسسات الدولة وحزب الله، فضلًا عن التجاذبات الإقليمية التي جعلت لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، وجدت إسرائيل مساحة أوسع للتحرك وفرض وقائع جديدة على الأرض مستفيدة من حالة التباين الداخلي حول كيفية التعامل مع الحرب ومآلاتها.
وانعكست هذه المعادلة سريعًا على الميدان، إذ إنه رغم الإعلان عن تفاهم لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل عقب جولة من المحادثات المباشرة التي استضافتها واشنطن، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان قبل أن توسع نطاق ضرباتها لتشمل الضاحية الجنوبية لبيروت.
وشن الطيران الإسرائيلي غارات استهدفت منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية، في خطوة تكشف مساعي إسرائيل لاستثمار حالة الانقسام والارتباك السياسي والأمني داخل لبنان بهدف فرض وقائع ميدانية ومعادلات جديدة تتجاوز حدود التفاهمات المعلنة.
كما شهد الجنوب اللبناني تطورًا بعد استهداف الجيش الإسرائيلي مركبة عسكرية تابعة للجيش اللبناني، بعد أيام قليلة من انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية، وهو ما اعتبر رسالة مباشرة إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، وليس إلى حزب الله فقط.
وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير ميدانية عن توسيع جيش الاحتلال لعملياته العسكرية والتوغل البري داخل مناطق جنوب لبنان، وسط مخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الاشتباكات الحالية.
ومع كل تصعيد ميداني جديد، تتراجع قدرة اللبنانيين على تحمل أعباء الأزمة المتفاقمة. بعيدًا عن الحسابات السياسية والعسكرية، يبقى المواطن اللبناني الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المعقدة.
بين الغارات الإسرائيلية المتواصلة والانقسام السياسي الداخلي والأزمات الاقتصادية المتراكمة، يدفع اللبنانيون فاتورة الصراعات الإقليمية والمحلية مجتمعة، فيما تتزايد معاناة السكان مع استمرار النزوح من المناطق الحدودية وتضرر البنية التحتية وتراجع النشاط الاقتصادي، بينما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة أو توفير مظلة حماية فعالة لمواطنيها.
وتقود هذه الصورة إلى جوهر الأزمة، حيث أسهمت الخلافات السياسية الحادة بين مختلف القوى اللبنانية في توفير بيئة سمحت لإسرائيل بتوسيع هامش تحركاتها العسكرية داخل لبنان وفرض وقائع جديدة على الأرض.
في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة اللبنانية التزامها بالحلول الدبلوماسية ووقف التصعيد، يحتفظ حزب الله بخياراته العسكرية المرتبطة بحساباته الإقليمية واستراتيجيته الخاصة في مواجهة إسرائيل، الأمر الذي يخلق ازدواجية واضحة في القرار الأمني والعسكري داخل البلاد.
وتمنح هذه الازدواجية إسرائيل فرصة لتبرير عملياتها العسكرية أمام المجتمع الدولي، مستندة إلى واقع وجود قوة عسكرية فاعلة خارج الإطار الرسمي للدولة، كما تضعف الموقف اللبناني الموحد في أي تحرك دبلوماسي أو مفاوضات تهدف إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وهو ما يفسر إلى حد كبير قدرة تل أبيب على مواصلة عملياتها رغم الضغوط الدولية والدعوات إلى التهدئة.
ولم يقتصر الانقسام على الداخل اللبناني فحسب، بل امتد إلى العلاقة مع إيران، التي تعد الداعم الرئيسي لحزب الله، ما أضاف بعدًا إقليميًا جديدًا للأزمة.
فقد تزامن التوتر العسكري مع تصاعد غير مسبوق في السجال السياسي بين لبنان وإيران، بعد تصريحات للرئيس اللبناني جوزيف عون دعا فيها طهران إلى عدم التدخل في الشؤون اللبنانية، مطالبًا حزب الله باللجوء إلى خيار التفاوض.
وفي مقابلة مع شبكة “سي إن إن” الأمريكية، وجه عون رسالة مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني قائلًا: "إنها ليست بلدكم، إنها بلدنا"، مضيفًا أن اللبنانيين هم من يدفعون ثمن الصراعات المرتبطة بالمصالح الإقليمية.
وأكد الرئيس اللبناني التزامه بمنع انزلاق البلاد إلى مزيد من التصعيد، مشيرًا إلى أن اللبنانيين "سئموا" الحروب المتكررة بين إسرائيل وحزب الله، كما اتهم إيران باستخدام لبنان كورقة ضغط في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تصريحات أثارت ردود فعل غاضبة في طهران.
وجاء الرد الإيراني سريعًا،في مؤشر على حجم التباعد السياسي بين الطرفين.
قد رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتهامات اللبنانية، معتبرًا أن تحميل طهران مسؤولية الأزمة اللبنانية يتجاهل ما تقوم به إسرائيل على الأرض.
وقال عراقجي في منشور على منصة “إكس": “بناء على تصريحات السيد عون، قد يعتقد المرء أن إيران هي من تحتل خمس لبنان،و شردت ربع سكانه، وتقصف بلاده يوميًا”، مضيفًا: لو كان لبنان ورقة مساومة بيد إيران، لكنا توصلنا إلى اتفاق منذ وقت طويل، قبل أن يختتم رسالته بالقول: "أنقذ لبنان من عدوك الحقيقي، سيادة الرئيس".
وفي خضم هذا السجال السياسي، واصلت إسرائيل توجيه رسائلها العسكرية بشكل مباشر، مؤكدة أنها ماضية في استراتيجيتها تجاه حزب الله بغض النظر عن الخلافات القائمة داخل لبنان أو بين بيروت وطهران.
وفي هذا السياق، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بيانًا مشتركًا أكدا فيه أنهما وجها الجيش الإسرائيلي لتنفيذ غارات على مواقع تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما كشفت مصادر إسرائيلية أن الولايات المتحدة أبلغت مسبقًا بتنفيذ الضربة الجوية، في إشارة إلى وجود تنسيق سياسي وأمني بشأن العمليات العسكرية الأخيرة.
وتبقى المنطقة أمام احتمالات مفتوحة على مزيد من التصعيد، في ظل التوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران واستمرار العمليات العسكرية، رغم الجهود والضغوط الدولية الرامية إلى منع اتساع رقعة المواجهة.
لكن المؤكد أن استمرار الانقسام الداخلي اللبناني وتضارب مراكز القرار بين الدولة والقوى المسلحة يمنحان إسرائيل مساحة أوسع للمناورة وفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة، يبقى لبنان مكشوفًا أمام مزيد من الضغوط والتصعيد، بينما يواصل المواطن اللبناني دفع الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ومستقبله.



