ستظل مهنة الطب في مصر تحتفظ بجوهرها الإنساني النبيل بعيدًا عن الصورة النمطية التي تختزل الطب في العيادات والمستشفيات الخاصة، وبعيدا ايضا عن نشر شائعات برفع اسعار الكشف في العيادات الخاصة أو بضبط طبيب جراحة قلب مزيف أو غلق مركز طبي بدون ترخيص تديره خريجة كلية الاداب، كلها اخبار لا تمت لواقع الطب في مصر بأي صلة، فمازال آلاف الأطباء المصريين يؤدون رسالتهم باعتبارها واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا قبل أن تكون مهنة، مقدمين نماذج ملهمة للعطاء والتطوع وخدمة الفقراء وغير القادرين.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت عشرات المبادرات الفردية والجماعية التي أكدت أن روح الدكتور الراحل محمد مشالي، المعروف بـ"طبيب الغلابة"، لم تنتهى ولم تتوقف عنده ، لكنها تحولت إلى مدرسة إنسانية يلتحق بها ألاطباء الصريين من مختلف الأجيال والتخصصات.
ومن أحدث هذه النماذج ما أعلنه الدكتور عبد الرحمن محمد مرسال، قبل شهر تقريبا عقب اختتام رحلتة المهنية التي امتدت عشرين عامًا داخل مستشفيات وزارة الصحة، تنقل خلالها بين مواقع ووظائف متعددة، لكنه ظل يعتبر أن أكثرها بركة وتأثيرًا كانت سنوات عمله طبيبًا يخدم البسطاء والمحتاجين.
ومع انتهاء مسيرته الوظيفية الحكومية في مايو 2026، أعلن مرسال عزمه افتتاح عيادة مجانية للفقراء في مدينة الاسكندارية في تخصصه الطبي يومين أسبوعيًا، مؤكدًا أن انتهاء علاقته الوظيفية بالدولة لن يعني أبدًا انتهاء علاقته بالمرضى غير القادرين، وأن ما يقدمه هو "زكاة عن العلم" وطلب للأجر والثواب.
هذه المبادرة ليست استثناء بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من العطاء الطبي الممتد في مختلف المحافظات المصرية.
و في مدينة فارسكور بدمياط يمارس الدكتور عبد الرحمن نجاح إستشاري طب الاطفال المهنة من باب انساني بحت، كما اعتاد إعلانه من خلال فديوهات تحمل مضونا من النصائح الطبية، يشرح فيها لمرضاه انواع الامراض التي يمكن ان يتعرضون لها وكيفية تجنبها والادوية التي يمكن تناولها بعيدا عن غرامات الكشف الطبي فضلا عن استقبالة للحالات غير القادرة مجانا، وهو ما بات معروفا لدى اهالي فارسكور
وفي محافظة الأقصر، يواصل الدكتور مصطفى سعد كراع تنفيذ وصية والده، مخصصًا عيادته للكشف المجاني على غير القادرين ومرضى الغسيل الكلوي، واضعًا مصلحة المرضى فوق أي اعتبارات مادية، كما أطلق الدكتور يحيى النجار مبادرة للكشف المجاني تحت شعار "متبقاش أنت والمرض على العيان"، في رسالة تعكس الإحساس العميق بالمسؤولية الاجتماعية لدى قطاع واسع من الأطباء المصريين.
ولا يقتصر عطاء الاطباء المصريين على العيادات الخاصة، بل يمتد إلى القوافل الطبية والجراحات المتخصصة التي تصل إلى المناطق الأكثر احتياجًا، فأساتذة كليات الطب في الجامعات المصرية جميعهم يشاركون بصورة منتظمة في قوافل علاجية بالمحافظات الحدودية وقرى الصعيد، حيث تُجرى عمليات دقيقة في تخصصات المخ والأعصاب والقلب والصدر والأورام دون تحميل المرضى أي أعباء مالية.
كما أثبت الطبيب المصري حضوره الإنساني خلال الأزمات المختلفة، عندما تطوع عدد كبير من الأطباء والجراحين للعمل في المناطق التي شهدت ظروفًا استثنائية، مقدمين خبراتهم وجهودهم لخدمة المصابين والمحتاجين، في مشاهد عكست أسمى معاني المسؤولية الوطنية والمهنية وكانت ازمة العدوان على الشعب الفلسطيني في غزة خير دليل على تطوع الاطباء المصريين واقادمهم رغم المخاطر على انقاذ واسعاف الجرحى والمصابين.
وعلى المستوى المؤسسي تواصل العديد من المبادرات والجمعيات الخيرية تنظيم جهود الأطباء المتطوعين وتوسيع نطاق الاستفادة منها، فمن مبادرة "طبيب الخير" التي تجمع أطباء من مختلف التخصصات والمحافظات لتقديم الكشف والعلاج والعمليات الجراحية مجانًا، إلى مشروع "شفاء" الذي ينظم قوافل طبية لعلاج أمراض العيون في القرى الأكثر احتياجًا، مرورًا ببنك الشفاء المصري الذي يربط بين المرضى غير القادرين وشبكة واسعة من الأطباء المتطوعين، وصولًا إلى المؤسسات الطبية الخيرية التي تقدم خدمات علاجية متكاملة لآلاف المرضى سنويًا.
هذه النماذج تمثل جانبًا أصيلًا من الشخصية المصرية التي تؤمن بأن العلم رسالة، وأن الطب قبل كل شيء رحمة بالناس، فكل طبيب يفتح باب عيادته مجانًا لمريض فقير، أو يقطع مئات الكيلومترات للمشاركة في قافلة طبية، أو يقف ساعات طويلة داخل غرفة العمليات لإنقاذ حياة إنسان لا يعرفه، فهو يؤكد أن قيم التكافل والعطاء لا تزال حية في هذا الوطن.
وربما لهذا السبب يظل المصريون يرددون بثقة أن أطباء مصر بخير... لأن الإنسانية ما زالت تسكن قلوب الكثير منهم، ولأن ملائكة الرحمة ما زالوا يعملون في صمت بعيدًا عن الأضواء، واضعين آلام المرضى واحتياجاتهم فوق كل اعتبار




