علاقة الأهلي بالزمالك، والعكس، علاقة معقدة تماما؛ فطوال الوقت يشعر المتابع الكروي اليقظ أن الناديين يقوم كل منهما على العداء مع الآخر أكثر مما يقوم على الاهتمام بشؤونه الشخصية، وليس أدل على ذلك من أن فوز أحد الناديين على الآخر يعني بطولة مستقلة، تفوق الدوري والكأس المحليين، بل تفوق البطولات القارية والدولية، وأظن أن إعلام قناتي الناديين يثبت كل كلمة أقولها الآن إثباتا لا مراء فيه!
الموضوع قديم جدا، ويعكس تعصبا سرمديا منذ بواكير الناديين الكبيرين، ومن عجيب أن ذلك التعصب البغيض نفسه هو ما جعل الناديين في الصدارة دوما، وأزاح أندية جماهيرية أخرى، فلا سؤال إلا عنهما ولا مراعاة إلا لهما...
كان طبيعيا إذن أن يمتد حديثهما إلى المنتخب الوطني، يمتد بخيط العصبية نفسه، فالذين في الأهلي يرون أنهم الأكبر والأعظم، هكذا تهتف جماهيرهم والأرقام شاهدة، وعل ذلك يجب أن يكونوا سفح المنتخب وقمته، والذين في الزمالك يرون أن اللعب المعتبر هو بأرجلهم لا بأرجل غيرهم، هم "مدرسة الفن والهندسة" كما اعتادت جماهيرهم مغازلتهم، وعليه لا يصح أن يسبقهم إلى المنتخب أحد حتى لو كانت أرقامه أعلى؛ فالأرقام، بالرغم من أهميتها وحسمها للمقارنات، تقدم ذا البطولات على ذي المهارات، والثاني هو الأجدر بتمثيل الوطن، أعني طبعا من وجهة نظر الزمالك، وبناء على تصوره الخاص وتمحوره حول ذاته، التصور والتمحور المطابقان لأحوال الأهلي أو الشبيهان به!
منتخبات العظيم حسن شحاتة التي فازت بكأس الأمم الإفريقية ثلاث مرت متتالية، في 2006 و2008 و2010، أغلبيتها كانت من لاعبي الأهلي (مصر- 2006، الأهلي 8 والزمالك 6، غانا- 2008، الأهلي 7 والزمالك 4، أنجولا- 2010، الأهلي 5 والزمالك 4) كان المعلم يختار اللاعبين الأكثر جاهزية، بصرف النظر عن الانتماءات، لكن اختياراته المذكورة كانت وجدت ارتياحا لدى أبناء الفانلة الحمراء ومشجعيها، وعتابا لاهبا لدى كثير من أصحاب الزمالك وعشاقه، وبخاصة أن شحاتة أيقونة بيضاء خالصة، لا لبس في ارتباطها الوثيق بناديها... وقد بقي ارتياح الأهلي وعتاب الزمالك، إذ جريا بالفعل حينذاك، عاكس انشغال زائد مريب لكل ناد بالنادي الآخر لا بذاته، وإن كان الفوز الساحق المتتابع
للمنتخب في تلك الأعوام قد خفف حدة التعليقات المؤيدة والمعارضة.
مثل ذلك يتكرر بانتظام، والمعنى الواضح أن المنتخب يتمزق معنويا بتلك الأجواء التنافسية الضارية التي لا احترام فيها بين الخصوم التقليديين، وربما يتمزق ماديا أيضا، لا الأهلي يريد الخير للزمالك ولا الزمالك يريد الخير للأهلي، لكنه الصراع في صورتيه الخالدتين، الصورة الظاهرة والصورة المكتومة، الصراع التاريخي الذي لم يفض إلى شيء يذكر في الحقيقة؛ فنحن الآن في كأس العالم للمرة الرابعة، ومن المؤسف أن مشاركاتنا في تلك البطولة الباذخة، بكل صخبنا المدوي، لم يتجاوز مرات شحيحات تعد على أصابع اليد الواحدة!
قد تكون هناك مجاملات في بنية المنتحب التي نشهدها حاليا، لا أستطيع القطع بعدم وجودها، وربما كان ذلك نفسه ما حدا بخبراء رياضيين عديدين أن يفضلوا المدير الفني الأجنبي على الوطني من الأول؛ فالوطني مهما حاول الحيادية ومهما نجح في إدراكها، فإنه سيلام، وسيواجه عواصف لا قبل له بها من آخرين كثيرين متربصين به مع إعلانه لأسماء اللاعبين الذين حبذهم ومن ثم ألوان قمصانهم.
هل وصلت الفكرة؟ أرجو ذلك، والأجدى، من قبل ومن بعد، أن ننوي رفع علم بلادنا في أمريكا وكندا والمكسيك، علمها وحده، وأن ننسى، أو نتناسى، شعارات الأندية بأكملها، وأخص شعاري الأهلي والزمالك، فليسا سوى تذكير بما بين الناديين الأساسيين من التحدي المؤلم والمطبات الشائكة !


