تضع الدولة المصرية فى صدارة أجندتها الاقتصادية تعزيز قطاع المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، إدراكًا منها دور هذا القطاع الحيوى فى تشكيل العمود الفقرى للاقتصاد الوطنى.
لم يعد هذا الاهتمام مجرد خطط نظرية، بل تجسد فى تحركات ميدانية ملموسة، أبرزها إنشاء المجمعات الصناعية المتكاملة التى تستهدف توطين الصناعة، وخلق بيئة استثمارية محفزة للشباب وصغار المستثمرين، ودعم مسيرة التنمية المستدامة وفق رؤية مصر ٢٠٣٠.
لقد تبنت مصر استراتيجية طموحة لإنشاء المجمعات الصناعية المجهزة بكل المرافق والبنية التحتية الأساسية فى مختلف المحافظات، هذه المجمعات ليست مجرد مساحات للإنتاج، بل هى حاضنات أعمال متكاملة صممت خصيصًا لتذليل العقبات أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ومن خلال توفير وحدات صناعية جاهزة للتشغيل، ترفع الدولة عن كاهل المستثمر أعباء التأسيس، والبحث عن الأراضى، وتراخيص المرافق، ما يسمح له بالتركيز الكامل على العملية الإنتاجية والابتكار.
إن هذا التوجه يعكس رغبة الدولة فى تحقيق العدالة المكانية فى التنمية، حيث تم توزيع هذه المجمعات جغرافيًا لتشمل مناطق لم تكن تحظى بفرص استثمارية كافية سابقًا، ما يعزز من قدرة تلك المناطق على خلق فرص عمل محلية ورفع مستوى المعيشة لأبنائها.
وشكّل إصدار القانون رقم ١٥٢ لسنة ٢٠٢٠ بشأن تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر نقلة نوعية فى دعم هذا القطاع، ولم يكتفِ القانون بتقديم تعريفات دقيقة وواضحة للمشروعات، بل تضمن حزمة غير مسبوقة من الحوافز الضريبية والجمركية وتيسيرات التمويل.
لقد منح القانون لأصحاب هذه المشروعات الرخصة الذهبية أو التراخيص المؤقتة، ما سهل عليهم توفيق أوضاعهم والانتقال من القطاع غير الرسمى إلى القطاع الرسمى، ما يخدم الاقتصاد القومى من خلال توسيع القاعدة الضريبية ودمج العمالة فى إطار قانونى يحمى حقوقهم ويضمن استدامة أعمالهم.
ويلعب جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر دور المايسترو فى هذا المشهد، حيث يقدم دعمًا فنيًا وماليًا متكاملًا، ولا يقتصر دور الجهاز على التمويل بأسعار فائدة ميسرة، بل يمتد ليشمل التدريب وتأهيل رواد الأعمال وصقل مهارات الشباب فى الإدارة والتسويق وتطوير المنتج، وتتم مساعدة المشروعات فى الوصول إلى المعارض المحلية والدولية، وربطها بسلاسل الإمداد للشركات الكبرى، كما يتم دعم تبنى التكنولوجيا الحديثة لرفع كفاءة الإنتاج وزيادة القدرة التنافسية للمنتج المصرى.
وبدأت الدولة المصرية فى توجيه المشروعات الصغيرة والمتوسطة داخل المدن الصناعية نحو الاقتصاد الأخضر، من خلال مشروعات تستهدف كفاءة الطاقة، واستخدام الموارد المستدامة، والإنتاج الأنظف.
وتهدف مصر إلى تحسين الأداء البيئى للمصانع، ما يعزز من فرص نفاذ منتجات هذه الشركات للأسواق العالمية التى تشترط معايير بيئية صارمة.
هذا التوجه لا يقلل من التكاليف التشغيلية فحسب، بل يضع الصناعة الصغيرة المصرية على خارطة التنافسية العالمية، ورغم الخطوات الكبيرة التى تحققت، فإن الطريق لا يخلو من تحديات. لا تزال هناك حاجة مستمرة لمزيد من التوعية حول المزايا القانونية والتمويلية المتاحة، وضرورة ربط هذه المشروعات الصغيرة بالصناعات الكبيرة لضمان التكامل الاقتصادى.
إن تعميق التصنيع المحلى وتقليل الاعتماد على الاستيراد هما الغايتان اللتان تسعى مصر لتحقيقهما من خلال تحويل هذه المشروعات إلى موردين رئيسيين للصناعات الضخمة، كما أن الاستثمار فى المشروعات الصغيرة والمتوسطة داخل المجمعات الصناعية المصرية هو استثمار فى المستقبل.
إنها قصة نجاح تكتب فصولها كل يوم، حيث تتحول الأفكار البسيطة إلى كيانات صناعية قادرة على التصدير والمنافسة. ومع استمرار الدعم الحكومى وتطوير البنية التحتية الرقمية والإجرائية، تظل هذه المجمعات هى القلب النابض الذى يضخ دماءً جديدة فى شرايين الاقتصاد المصرى، مؤكدة أن الطريق نحو جمهورية صناعية يبدأ من تلك المشروعات الواعدة التى تمثل طموح جيل كامل من المبدعين والمصنعين المصريين.




