تبرز سيرة القارئ الشيخ أحمد الرزيقي باعتبارها واحدة من الحكايات الملهمة في عالم تلاوة القرآن الكريم في كتاب «أعيان دولة التلاوة» للكاتب محمد السيد غنيم، والصادر عن دار ريشة للنشر نرى تحول حلم طفل صغير وقف يومًا يستمع إلى صوت الشيخ عبدالباسط عبدالصمد عبر الراديو إلى رحلة استثنائية جعلته واحدًا من أشهر قراء القرآن في مصر والعالم الإسلامي.
في أحد الأيام استيقظ الطفل أحمد الرزيقي متجهًا إلى مدرسته كغيره من أبناء جيله لكنه فوجئ في الطريق بمجموعة من الأهالي يلتفون حول جهاز راديو دفعه الفضول إلى السؤال عن سبب هذا التجمع فجاءه الرد بأن ابن بلدتهم الشيخ عبدالباسط عبد الصمد سيقرأ القرآن عبر الإذاعة بعد قليل.
وقف الطفل يستمع في إنصات ولم يكن ما جذبه جمال التلاوة فقط بل مشاعر الفخر والاعتزاز التي بدت على وجوه أبناء بلدته وهم يستمعون إلى أحد أبنائهم وقد أصبح قارئًا شهيرًا يصدح صوته عبر الأثير ومنذ تلك اللحظة ولد الحلم أن يصبح هو الآخر قارئًا للإذاعة يفخر به أهل قريته كما يفخرون بالشيخ عبدالباسط.
ومرت السنوات ليتحول الحلم إلى حقيقة ويصبح الشيخ أحمد الرزيقي أمينًا لنقابة القراء عندما اختير الشيخ عبدالباسط عبدالصمد نقيبًا لها بالتزكية ثم يرشح لاحقًا لقراءة السورة بمسجد الإمام الحسين خلفًا لشيخه وقدوته بعد وفاته.
ولد الشيخ أحمد الرزيقي عام 1938 بقرية الرزيقات التابعة لمركز أرمنت حين كانت تتبع محافظة قنا وفي طفولته ترك الدراسة النظامية واتجه إلى كتاب القرية لحفظ القرآن الكريم.
وعندما اكتشف والده غيابه المتكرر عن المدرسة غضب بشدة لكن غضبه تحول إلى فرحة كبيرة عندما علم أن ابنه يترك الدراسة من أجل حفظ كتاب الله فشجعه على مواصلة الطريق.
وخلال ثلاث سنوات فقط أتم الرزيقي حفظ القرآن الكريم ثم التحق بمعهد أصفون لدراسة التجويد والقراءات وسرعان ما ذاع صيته في قريته والقرى المجاورة بفضل جمال صوته وإتقانه لأحكام التلاوة.
انتقل الشيخ الرزيقي إلى القاهرة وأصبح ملازمًا للشيخ عبدالباسط عبدالصمد في سهراته القرآنية غير أن حلم الانضمام إلى الإذاعة تأجل بسبب توقف اختبارات لجنة القراء عقب نكسة يونيو 1967.
وبعد انتصار أكتوبر قرر الشيخ الرزيقي أن يكتب رسالة مباشرة إلى الرئيس محمد أنور السادات يشرح فيها معاناته مع تأجيل الاختبارات رغم سنوات خدمته للقرآن الكريم.
ولم تمضي سوى أيام قليلة حتى تلقى ردًا شخصيًا من الرئيس الراحل أنور السادات يؤكد فيه متابعة الأمر مع الإذاعة، متمنيًا له النجاح والتوفيق.
وبالفعل استدعي الشيخ للاختبار وانضم رسميًا إلى الإذاعة المصرية عام 1974 وهو في السادسة والثلاثين من عمره لتبدأ مرحلة جديدة من التألق والشهرة.
في عام 1982 عين قارئًا بمسجد السيدة نفيسة وارتبط المصلون بصوته ارتباطًا شديدًا حتى إنه عندما صدر قرار بنقله بعد وفاة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد عام 1988 ليتولى القراءة في مسجد الإمام الحسين رفض رواد مسجد السيدة نفيسة رحيله وأقاموا ما يشبه مظاهرة حب للمطالبة ببقائه.
وأمام هذا التعلق الكبير استمر الشيخ الرزيقي قارئًا للمسجد حتى شاع بين الناس وقتها أن السيدة نفيسة "رفضت أن يفارقها صوته".
تميز الشيخ أحمد الرزيقي بأسلوب فريد جمع بين مدرستين كبيرتين في عالم التلاوة مدرسة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد ومدرسة الشيخ محمد صديق المنشاوي.
فقد تأثر بنغمات المنشاوي ومقاماته ونهل من قوة أداء عبدالباسط وروحانيته ثم صاغ من هذا المزيج شخصية مستقلة صنعت له بصمة خاصة بين كبار القراء.
وكان صوته يتمتع بمساحة واسعة ورنين مميز كما عرف بخشوعه الشديد أثناء التلاوة حتى إن المستمع كان يشعر بصدق تأثره بآيات القرآن في كل تسجيل من تسجيلاته.
بين عامي 1978 و1982 سجل الشيخ الرزيقي المصحف المرتل بصوته كما حظي بتقدير واسع داخل العالم الإسلامي وكان يتقاضى مقابل الدقيقة الواحدة من تلاوته في إذاعة السعودية 300 ريال وهو ما علق عليه بقوله: "إن المملكة العربية السعودية تعرف قدر أهل القرآن جيدًا".
وظل الشيخ أحمد الرزيقي خادمًا لكتاب الله حتى رحيله عام 2005 عن عمر ناهز 67 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء القرآني.
ورحل الرجل لكن صوته بقي حاضرًا في ذاكرة الملايين كما بقي اسمه مرتبطًا بقريته الرزيقات التي أصبحت تعرف بين الناس بأنها القرية التي خرج منها الشيخ أحمد الرزيقي تمامًا كما خرج منها حلم صغير بدأ أمام جهاز راديو وانتهى بين أعلام دولة التلاوة.




