صدر حديثا عن دار مرفأ للنشر بلبنان كتاب نقدي، للدكتور ممدوح فرّاج النابي، بعنوان "بلاغة الكتابة السوداء، السرديات المضادة، الهوية، الأمثولة القومية"، يقع الكتاب في 366 صفحة، وينقسم إلى سبعة فصول.
في تصريحات خاصة لـ"الدستور" قال الناقد والأكاديمي دكتور محمد فرج النابي: أعالج عبر الكتاب إشكاليات الكتابة الروائية، والوقوف على تحوّلاتها، بخاصة في سياق الكتابة السوداء، وتعريفها كفعل مقاومة، وسردية مضادّة للإكراهات الاجتماعية والعرقية.
وأشار إلى أن ذلك يأتي من خلال تتبع تصورات الكتابة السوداء في علاقتها بالاستشراق وبالهيمنة الثقافية، واستند في ذلك إلى النقد الثقافي وتحليل الخطاب، الى جانب الاشتباك مع أطروحات ما بعد الكولونيالية، التي أسس لها مفكرون مثل فرانز فانون وإدوارد سعيد وغيرهما.
وقد سبقت الدراسة بمحثين الأول عن الرواية كفعل مقاومة، والثاني ثبت بالمفاهيم والمصطلحات التي تمّ الاستعانة بها في الممارسة التطبيقيّة، للوقوف على نشأتها ودلالتها المستخدمة أثناء التحليل، وما صاحبها من تعديلات أو تحريفات في الاستخدام مغايرة لطبيعتها التاريخيّة ودلالتها النقدية، مثل: الآخر، الهيمنة، ما بعد الكولونيالية، والسرديات المضادة، والأمثولة، وسرد التابع، والخطاب النقيض، وغيرها.

وأشار النابي إلى أن يذهب الكتاب إلى اعتبار أنّ الكتابة السوداء هي "كلّ كتابة تعرّي القبح، وتكشف حالات الإقصاء والاستعلاء التي تمارسها السلطة سواء أكانت سلطة الاستعمار الخارجي أم الداخلي عبر أوصياء يمارسون التهميش والاستبعاد والإقصاء لكل من يخالفهم الرأي، أو تلك التي تعرّي الأيديولوجيات الصاخبة سواء أكانت السياسية أم الدينية"؛ وبهذا المعنى، هي كتابة تعرّي القبح، تقاوم القمع، ترفض الاستعلاء، وهي كتابة إنسانية بامتياز
وأكد النابي على أن النصوص الأدبية تقرأ هنا من زاوية المهمش والمقصي والضحية، وليس، كما ينبغي في هذا النوع من الدراسات، من زاوية المركز الذي احتكر طويلا حق تمثيل الآخر وتأويله، على نحو ما كشفت دراسة إدوارد سعيد "الثقافة والإمبريالية" (1993)، ونظرة فرانز فانون في كتابه المهم "بشرة سوداء أقنعة بيضاء" (1952)، في محاولة لاستجلاء الآليات السردية المضادة التي اتخذها الروائيون للرد بالكتابة على حد تعبير "بيل أشكروفت" لمقاومة الاستعمار، وآثاره البغيضة، وسطوته التي سعت إلى محو الهوية، وإمحاء الشخصية الأصلانية.
يتخذ الكتاب من روايتي الكاتب السوداني الطيب صالح؛ عرس الزين وموسم الهجرة إلى الشمال، نموذجين دالين للكتابة المضادة للإمبريالية، على الرغم من اختلاف العناصر المكونة للروايتين، وإن كانتا تكشفان عن التوتر في العلاقة بين الشمال والجنوب، وبين المركز والهامش، وبين الذات المستعمرة ونظرة المستعمر إليها.
ومن خلال هذه القراءات يحاول الكتاب أن يبين كيف تحولت الكتابة إلى أداة مقاومة ثقافية قادرة على إنتاج الهوية من الداخل وإعادة إنتاجها باستمرار، بعيدًا عن الصور الجاهزة والمقولات النمطية التي سادت الفكر الغربي عن الشرق. كما توقف الكتاب في مدخله لإبراز العلاقة بين الرواية والإمبريالية، كما سعت الدراسة إلى دمج النظرية الروائيّة؛ بمقولاتها ومفاهميمها في الممارسة التطبيقيّة دون فصل مدار النظرية عن مدار الممارسة، ومن ثمّ اعتنت الدراسة بقراءة النصوص وفق السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي أُنتِجت فيها.

وتابع: “كما أدعم رؤيته للفرضية التي هي محور الكتاب، بنماذج من نصوص مختلفة (عربية وأجنبية) تقترب من موضوع الكنتاب أو تتماس مع بعض تيماته أو تكون ذات صلة بأحد عناصره. وقد اعتمد إجرائيًا على نظرية الرواية، ومقولات أدب ما بعد الاستعمار، إضافة إلى الاستعانة بأدوات المنهج التفكيكي، بغية الوصول إلى النتائج المرجوة”.
وأضاف سعيت إلى دمج النظرية الروائيّة؛ بمقولاتها ومفاهميمها في الممارسة التطبيقيّة دون فصل مدار النظرية عن مدار الممارسة، ومن ثمّ بقراءة النصوص وفق السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي أُنتِجت فيها؛ لأن السياقَ المنتَج فيه النص هو خير مُفسِّر، وموضِّح لملابسات الكتابة، وكذلك كاشفٌ لغوامضها وكوامنها. وليس المجال هنا لمناقشة علاقة الرواية بالواقع المنتجَة فيه، يكفي الإشارة إلى ما ذكره عالم الاجتماع الفرنسي "بيير ماشيري" عن هذه العلاقة المتشابكة والتي تناولها من منظور "نظرية المعرفة"، وبذلك تكون الرواية عندي ليست "عملية اكتشاف أو إعادة صياغة للمعاني الكامنة أو المنسيّة أو المخبوءة في واقع ما، ولكنها شيء ينمى بداءة؛ إنها إضافة إلى الواقع الذي تنطلق منه.."، وبعبارة مُحدّدة "إنها توجد في العالم ومن هنا كانت دنيوية".
ويعد ممدوح فراج النابي، ناقد وأكاديمي مصري، يعمل أستاذًا بجامعة رجب طيب أردوغان بتركيا، صدر له العديد من المؤلفات النقدية، كما حصل على الكثير من الجوائز المحلية والعربية، منها جائزة الشارقة للإبداع العربي، وجائزة كتارا في الدراسات النقدية، وجائزة ابن بطوطة في أدب الرحلات، وجائزة طه حسين عن مركز رامتان، وجائزة يوسف السباعي من المجلس الأعلى للثقافة، وإحسان عبد القدوس، وصبري موسى عن مؤسسة روز اليوسف.
ومن مؤلفاته: رواية السيرة الذاتية، والسيرة الذاتية سؤال الهوية والوجود، ونجيب محفوظ الذاكرة والنسيان، وجماليات الرواية، والبلاغة العمياء بحث في الخيال الرحلي عند طه حسين، واسترداد طه حسين، وضد الرواية: جغرافيا النصوص الأدبية، والجغرافيا المتخيلة، ونبلاء وحرافيش في مملكة نجيب محفوظ.
يكتب في الصحف والمجلات المصرية والعربية.



