بعد أكثر من ألفي عام على وفاته، لا يزال رحيل الإسكندر الأكبر واحدًا من أكثر الألغاز التاريخية إثارة للجدل، فالقائد المقدوني الذي صنع واحدة من أعظم الإمبراطوريات في العالم القديم، ما زال موته يثير تساؤلات المؤرخين والباحثين والأطباء، بين فرضيات الاغتيال والتسمم والإصابة بأمراض فتاكة أنهكت جسده بعد سنوات من الحروب المتواصلة.
وتباينت النظرة إلى الإسكندر عبر الحضارات المختلفة؛ ففي حين احتفى به الرومان ومنحوه لقب "الأكبر"، نظر إليه أتباع الديانة الزرادشتية بوصفه "الإسكندر الملعون"، بسبب ما نُسب إليه من إحراق مدينة برسبوليس الفارسية، حيث دُمّرت مكتبة الملك واحترق معها كتاب الزرادشتيين المقدس "الأبستاق"، بحسب الروايات التاريخية المتداولة.
وعلى مدار عقود طويلة، تعددت التفسيرات المتعلقة بوفاة الإسكندر، فقد رجحت بعض الدراسات القديمة أن يكون قد توفي متأثرًا بعدوى مثل التيفوئيد أو الملاريا، فيما ذهبت آراء أخرى إلى احتمال تعرضه للتسمم أو أن الإفراط في شرب الخمر ساهم في تدهور حالته الصحية.
في هذا السياق، ترى الباحثة والأكاديمية إيريني بابيخو، أن الحقيقة الكاملة قد تبقى مجهولة إلى الأبد، مؤكدة أن "من غير الممكن الجزم بما إذا كان الإسكندر قد قُتل أم أنه توفي نتيجة إصابته بعدوى مثل الملاريا أو الزكام"، وتشير إلى أن جسده كان قد استُنزف بشكل كبير نتيجة سنوات القتال المتواصلة، بعدما تعرض لجروح عميقة في تسعة مواضع مختلفة خلال حملاته العسكرية، وتحمل أعباء جسدية هائلة تكاد تتجاوز قدرة البشر العادية.
من ناحية أخرى، قدمت طبيبة التشريح كاثرين هول، الأستاذة في كلية الطب بجامعة أوتاغو في نيوزيلندا، تفسيرًا مختلفًا لوفاة القائد الشهير. ففي دراسة نشرتها في دورية "موجز التاريخ القديم"، رجحت أن يكون الإسكندر مصابًا بمرض عصبي نادر يعرف باسم "متلازمة غيلان باريه"، وهو التهاب حاد يصيب الأعصاب ويؤدي إلى شلل تدريجي في الجسم.
وترى هول أن هذه الفرضية لا تفسر فقط أعراض المرض التي سبقت الوفاة، بل قد تقدم أيضًا تفسيرًا للغز آخر طالما حيّر الباحثين، وهو عدم ظهور علامات التحلل على جثمان الإسكندر لمدة ستة أيام بعد إعلان وفاته. ووفقًا لرأيها، ربما لم يكن القائد المقدوني قد فارق الحياة فعليًا عند الاعتقاد بموته، بل دخل في حالة شلل تام جعلت مظاهر الحياة غير قابلة للرصد بوسائل ذلك العصر.
ويظل الإسكندر الأكبر، أو الإسكندر الثالث المقدوني، واحدًا من أبرز الشخصيات في التاريخ الإنساني. فقد ولد في مدينة بيلا المقدونية عام 356 قبل الميلاد، وتتلمذ على يد الفيلسوف أرسطو، قبل أن يقود سلسلة من الفتوحات العسكرية التي أسست إمبراطورية امتدت من سواحل البحر الأيوني غربًا حتى تخوم جبال الهيمالايا شرقًا. وبحلول سن الثلاثين كان قد شيد إحدى أعظم إمبراطوريات العالم القديم، كما ظل اسمه مرتبطًا بكونه أحد القادة العسكريين النادرين الذين لم يتعرضوا للهزيمة في أي معركة خاضوها.
ورغم مرور القرون، يبقى السؤال مفتوحًا: هل رحل الإسكندر الأكبر ضحية مؤامرة اغتيال، أم أنه سقط فريسة لمرض غامض أنهك جسده بعد سنوات من الحروب؟ سؤال لم يجد المؤرخون إجابة قاطعة عنه حتى اليوم، ليظل موته واحدًا من أكثر ألغاز التاريخ القديم إثارة للجدل.




