لطالما كانت إفريقيا بالنسبة لمصر ليست مجرد جغرافيا متصلة أو حدودًا مشتركة، بل هى عمق استراتيجى ورئة نتنفس من خلالها، وقدر جيوسياسى لا يمكن الفكاك منه. ومع ذلك شهدت عدة عقود قبل ثورة ٣٠ يونيو حالة من الفتور والانكفاء عن القارة السمراء، حيث طغت الانشغالات الداخلية والأولويات الإقليمية الأخرى على بوصلة السياسة الخارجية المصرية.
وفى تحول استراتيجى لافت شهدت السنوات الأخيرة صحوة منذ ثورة ٣٠ يونيو، حيث استعادت مصر زخم حضورها فى القارة، لتبنى جسورًا جديدة من التعاون لم تشهدها منذ عقود طويلة.
اتسمت العلاقة بين القاهرة وعواصم دول إفريقيا بالجمود، بعد رحلة النضال المشترك ضد الاستعمار التى قادها الرئيس جمال عبدالناصر، وتراجعت الأولوية الإفريقية فى الأجندة المصرية نتيجة تحولات سياسية واقتصادية دولية وإقليمية.
لكن الواقع الجيوسياسى الحديث، المتمثل فى التحديات الأمنية المائية والحاجة إلى تنويع الأسواق الاقتصادية، وتصاعد الدورين الصينى والأوروبى فى القارة، دفع صانع القرار المصرى إلى إدراك أن العمق الإفريقى لم يعد رفاهية سياسية، بل ضرورة وجودية.
واليوم تغير المشهد تمامًا، ولم تعد مصر مجرد مراقب، بل أصبحت شريكًا فاعلًا فى صياغة مستقبل القارة. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج استراتيجية واعية تعتمد على الدبلوماسية التنموية والقوة الناعمة التى يقوم بها حاليًا الرئيس عبدالفتاح السيسى.
وتستند السياسة المصرية الجديدة تجاه إفريقيا إلى عدة ركائز جعلت من القاهرة وجهة مفضلة للكثير من الدول الإفريقية. ولم يعد الوجود المصرى يقتصر على السفارات، بل انتقل إلى قمة الهرم السياسى.
إن حرص القيادة السياسية على المشاركة المنتظمة فى قمم الاتحاد الإفريقى، وترؤس مصر الاتحاد عام ٢٠١٩، أرسل رسالة واضحة بأن مصر عادت لتتحمل مسئولياتها تجاه القارة. لقد تحولت مصر إلى منبر يعبر عن الصوت الإفريقى فى المحافل الدولية، مطالبة بإصلاح النظام المالى العالمى ليكون أكثر عدالة تجاه الدول النامية.
وتدرك مصر أن الاستقرار السياسى فى إفريقيا لا يتحقق إلا بالتنمية الاقتصادية. وقامت الشركات المصرية سواء الحكومية أو القطاع الخاص باقتحام الأسواق الإفريقية فى مجالات البنية التحتية والطاقة والتشييد والبناء.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك تنفيذ مشروعات كبرى مثل سد «نيريرى» فى تنزانيا الذى يعد نموذجًا لما يمكن أن تقدمه الخبرة الهندسية المصرية لأشقائها الأفارقة. هذه المشروعات لا تخلق فرص عمل فحسب، بل تبنى ثقة متبادلة وتخلق مصالح مشتركة تجعل من الصعب على أى طرف خارجى فك هذه الروابط.
واليوم أعادت مصر إحياء هذه المسارات من خلال الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، التى تقدم دورات تدريبية مكثفة للكوادر الإفريقية فى مجالات الشرطة والدبلوماسية والطب والزراعة، إضافة إلى استضافة الجامعات المصرية آلاف الطلاب الأفارقة، ما يرسخ وجود سفراء لمصر فى دولهم، يمثلون القوة الناعمة التى لا تذوب مع مرور الزمن.
وتواجه مصر تحديات جمّة فى إفريقيا، على رأسها المنافسة الدولية المحتدمة من قوى عالمية كبرى، مثل الصين وتركيا وروسيا والولايات المتحدة، التى تسعى جميعها للهيمنة على الموارد الإفريقية، كما أن التحديات الأمنية فى دول الساحل والصحراء والقرن الإفريقى تفرض على مصر أعباء إضافية تتطلب دقة وتوازنًا فى التعامل، ومع ذلك تمتلك مصر ميزة نسبية قد لا تتوافر للآخرين، وهى الارتباط التاريخى والحضارى.
مصر ليست طرفًا خارجيًا يبحث عن الموارد، بل هى جزء من نسيج القارة وقدرها مرتبط بها، هذا الارتباط يعطى للسياسة المصرية مصداقية يفتقدها الكثيرون.
وتتبنى مصر رؤية طموحة تتماشى مع أجندة الاتحاد الإفريقى ٢٠٦٣. إن التحول من علاقات الدعم والمنح إلى علاقات الشراكة الاستراتيجية هو جوهر النجاح الحالى. إن مصر اليوم لا تنظر لإفريقيا ككتلة واحدة، بل تعى التنوع الكبير فى القارة، وتصمم سياستها لتلبى احتياجات كل إقليم على حدة، سواء فى دول حوض النيل، أو دول تجمع الكوميسا، أو دول غرب إفريقيا.
علاوة على ذلك أصبحت مصر اليوم مركزًا إقليميًا للطاقة، وتتطلع إلى ربط شبكات الكهرباء الإفريقية بالشبكة المصرية، ما يفتح آفاقًا جديدة للتكامل الاقتصادى العابر للحدود.



