ثمة تغيرات كبرى طرأت على مشهد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من الناحية الأخرى.
في المواجهة الأخيرة، اختلف المشهد عن المألوف. لم تعد إيران الطرف الذي يكتفي برد الفعل، حيث بادرت – ولأول مرة – بالهجوم على إسرائيل عقابا لها على عدوان الأخيرة على لبنان.
عندما بدأت الحرب، بدا المشهد وكأنه محسوما. إيران تحت عدوان مزدوج وتواجه آلة عسكرية هي الأكبر في التاريخ، واقتصادها يترنح تحت وطأة العقوبات والحصار، وأعدائها من فرط الثقة بدوا وكأنهم يكتبون الفصل الأخير من الرواية.
لم تكن التقديرات في واشنطن وتل أبيب تتوقع أكثر من عدة أيام لسقوط النظام الإيراني وانهيار الدولة من الداخل ووقتها ستقبل طهران مضطرة الشروط الأمريكية والإسرائيلية وربما تعود لحظيرة الغرب مرة أخرى، غير أن النتائج على الأرض جاءت مختلفة تماما.
كثير من الأسباب أدت إلى صمود إيران وعدم انهيارها، ففضلا عن عن أن الإيرانيين يستعدون لمثل هذا اليوم منذ 40 عاما، فإن السبب الحقيقي في تقديري يكمن في تراخي القبضة الأمريكية على النظام العالمي الذي يحكم هذه التفاعلات ويوجه نتائجها.
الحرب في جوهرها هي صراع إرادات قبل أن تكون مواجهةت بالسلاح. المفكر والفيلسوف الصيني الشهير سون تزو SUN TZU مؤلف كتاب "فن الحرب" وصف الحرب بأنها تدور حول فكرة الإخضاع، وأفضل فنون الحرب هي إخضاع العدو دون قتال.
المفكر الإنجليزي هيدلي بول اتفق هو الآخر مع ذلك المبدأ ووصف الحرب بأنها عنف منظم يدور داخل بنية النظام العالمي وهدفه النهائي السيطرة على الخصم، وما دون ذلك يأتي في إطار الأهداف الفرعية التي لن تتحقق غالبا إلا بتحقق الهدف الرئيسي.
من هنا، يمكن اعتبار الحروب الدائرة في الشرق الأوسط الآن على أنها صراع على "الكلمة الأخيرة".
واشنطن كما طهران، تدرك جيدا أن صاحب الضربة الأخيرة، والرد الأخير، والرسالة الأخيرة، سيفرض قواعد اللعبة الجديدة، وسيحدد بشكل كبير معادلات القوة والنفوذ في الإقليم لعقود أو على أقل تقدير سيكون شريكا رئيسيا في صياغتها.
من هذه الزاوية يمكن فهم المشهد الإقليمي الراهن الذي يبدو متناقضا، فمن تحت غارات القصف تأتي الدعوات للتفاوض والتهدئة. السر هنا أن الطرفين المتحاربين لا يخوضان الحرب من أجل الانتصار العسكري، وإلا كانت قوة النيران وحجم الدمار كفيلة بحسم المعركة لصالح الحلف الصهيوأمريكي منذ البداية.
أمريكا تخوض الحرب لأنها تريد الهيمنة على إيران وجغرافيتها ومواردها وقرارها السياسي استعدادا للمعركة الأكبر، بينما تخوض إيران الحرب لمنع الولايات المتحدة من ادعاء الانتصار وإعادة إنتاج قواعد الهيمنة القديمة في المنطقة، أما إسرائيل التي رفعت منذ سنوات شعار "الردع بالرعب"، تدرك أن جرأة إيران في شن هجوما مباشرا واستباقيا عليها يعكس عمليا تآكل هيبتها الاستراتيجية في المنطقة.
إيران بادرت بالهجوم على إسرائيل بعد هجوم الأخيرة على حزب الله في الضاحية الجنوبية للبنان لأنها تدرك جيدا أن عدم الرد على استهداف حلفائها أو أراضيها يهدد الصورة التي بنتها طوال عقود باعتبارها رأس الحربة لـ"محور المقاومة"، ويفقدها ثقة حلفائها، ويهدد مكاسبها المتوقعة من عملية التفاوض، حيث المفاوضات تكون انعكاسا لحقائق الميدان.
هنا أصبح الرد الإيراني الأخير الذي اعتبره البعض تهورا، واجبا سياسيا ورمزيا قبل أن يكون ضرورة عسكرية.
المواجهة الأخيرة مع إيران كشفت بصورة أوضح حدود القوة الإسرائيلية رغم تفوقها العسكري، حيث انتهت الحرب بوقف إطلاق نار فرضته ضغوط أمريكية، وعادت واشنطن نفسها لاحقا إلى طاولة المفاوضات مع طهران دون أن تحقق الأهداف التي أعلنتها عند بدء الحرب، أي أن القوة العسكرية لم تنجح في فرض تسوية سياسية أو تغيير السلوك الإيراني بالشكل الذي كانت تأمله إسرائيل.
التطورات الأخيرة ثبتت هذه المعادلة = (الكيان مقابل لبنان).
الضربات الصاروخية الايرانية لإسرائيل، أرسلت رسالة مفادها أن استهداف لبنان عقابا له على مساندته لم يعد شأنا لبنانيا، ويستدعي ردا إيرانيا مباشرا. هذا المبدأ تحديدا أرعب نتيناهو الذي شدد في خطابه العلني على ضرورة منع إيران من صياغة معادلة قوى جديدة في المنطقة مما دفع إسرائيل للرد مجددا، بما يؤكد أن كلا الطرفين يسعى إلى منع الآخر من احتكار الكلمة الأخيرة.
المفارقة أن طبيعة الصراع الحالي الذي يدعي فيه كل طرف أنه يسعى إلى الردع، يؤدي سلوكه الفعلي إلى تقويض الردع نفسه. فالردع في تعريفه الكلاسيكي يقوم على إقناع الخصم بعدم الرد، بينما واقع الصراع الحالي يقوم على إقناع الخصم بأنه مضطر للرد. وكلما حاول طرف تثبيت معادلة ردع جديدة، سارع الطرف الآخر إلى كسرها حتى لا تتحول إلى حقيقة سياسية مستقرة.
لعل أخطر ما في هذه المرحلة أن الصراع انتقل من مرحلة "الرد على الهجوم" إلى مرحلة منع العدو من كتابة المشهد الختامي، ما يعني أننا بانتظار سلسلة عنقودية من الهجمات والهجمات المضادة.
إيران لا تريد أن تظهر كقوة عجزت عن حماية حلفائها، وإسرائيل تحاول أن تظهر كدولة لا يمكن استنزافها دون تكلفة، وحزب الله لا يريد أن يبدو وكأنه تخلى عن دوره الإقليمي، بينما تحاول الولايات المتحدة ألا تظهر في صورة الإمبراطورية العجوز التي لا تستطيع فرض التسوية على كل هؤلاء.
من هنا يمكن القول إن الشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية خطيرة عنوانها "معركة الكلمة الأخيرة". هي معركة لا يسعى فيها أي طرف إلى إنهاء الصراع بقدر ما يسعى إلى إنهائه عند النقطة التي تسمح له بإعلان النصر.
في ظل هذه المعادلة، تبدو المنطقة وكأنها لا تتحرك نحو تسوية شاملة، بل نحو سلسلة متواصلة من جولات التصعيد تتخللها وقفات تهدئة، حتى وإن أعلنت الولايات المتحدة قريبا توصلها لاتفاق مع إيران.



