في السياسة قد تختلف المواقف، وفي النقابة قد تتصارع التيارات، لكن هناك خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها، فثمة فارق بين التكريم والاستفزاز، وبين رد الجميل وطعن الذاكرة، وبين الوفاء لدماء شهداء المهنة الذين سقطوا دفاعا عن الكلمة، وبين التصرف وكأن تلك الدماء قد جفت من الذاكرة ولم يعد لها صاحب.
لهذا بدا إعلان نقابة الصحفيين الاحتفال بمرور ثلاثين عاما على الانتصار في «معركة الحرية» مناسبة تستحق التقدير، فالمعركة التي أسقطت القانون 93 لسنة 1995، المعروف بين الصحفيين باسم «قانون حماية الفساد»، كانت واحدة من أنبل المحطات في تاريخ المهنة، حين توحدت الجماعة الصحفية دفاعا عن حرية الكلمة وحق المجتمع في المعرفة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، كيف تحولت مناسبة للاحتفاء بتاريخ الحرية إلى مناسبة يدعى إليها للتكريم أحد أبرز وجوه حكم جماعة الإخوان، وهو صلاح عبد المقصود السمكري؟
وأي رسالة تريد النقابة إرسالها إلى الصحفيين وإلى الرأي العام عندما تضع اسم وزير إعلام الإخوان السابق ضمن قائمة المكرمين؟
فلم يكن اسم صلاح عبد المقصود اسما هامشيا في تاريخ الإخوان، فالرجل كان وزيرا للإعلام في عهد الرئيس الراحل محمد محمد مرسي، خلال واحدة من أكثر الفترات احتقانا واستقطابا في تاريخ البلاد، وهي الفترة التي شهدت أحداث الاتحادية وسقوط شهداء وصداما واسعا بين الجماعة الحاكمة والإعلام المصري.
ولا ينسى كثيرون موقفه من استشهاد الزميل الحسيني أبو ضيف، حين حاول نفي مسؤولية جماعته عن الجريمة، وخرج بتصريحات أثارت غضب قطاع واسع من الصحفيين والرأي العام، بأن الشهيد كان يصفق في صفوف الإخوان وقت إصابته بينما انتهت الأحكام القضائية لاحقا إلى إدانة محمد مرسي وآخرين في القضية المرتبطة بأحداث الاتحادية، واغتيال الحسيني أبو ضيف.
كما لا ينسى الصحفيون عبارته الشهيرة لإحدى المذيعات قائلا لعا على الهواء مباشرة «أسئلتك سخنة جدا زيك»، ولا ينسى الوسط الصحفي الواقعة الأخرى المتعلقة بإحدى الصحفيات حين قال لها: «تعالي وأنا أقولك فين»، وهي تصريحات اعتبرها كثيرون وقتها خروجا عن اللياقة المهنية والسياسية، وتحرشا لفظيا يرتقي إلى درجة الجريمة التي تستوجب المحاكمة.
سيخرج من يقول إن صلاح عبد المقصود لم يدع بصفته وزيرا للإعلام في عهد الجماعة الإرهابية، وإنما بصفته عضوا في مجلس نقابة الصحفيين الذي خاض معركة القانون 93 عام 1995، وأن الدعوة لم تكن موجهة إليه وحده، بل شملت جميع أعضاء ذلك المجلس التاريخي، وسيبدو هذا الطرح منطقيا للوهلة الأولى، لكنه ينهار أمام أول اختبار للذاكرة.
فالتكريم ليس كشف حضور يعلق على باب القاعة، ولا دعوات بريدية ترسل بالجملة دون تمييز، ولكن التكريم موقف ورسالة ورمز، وعندما تضع اسما مثيرا لكل هذا الجدل على منصة الاحتفاء، فأنت لا تكرم ماضيه فقط، بل تمنحه شهادة حسن سيرة وسلوك أمام الحاضر، وتمحو من صحيفة حالته الجنائية جرائمه التي لن تمحوها السنون.
كان بإمكان النقابة أن تكرّم أصحاب الفضل في معركة الحرية دون أن تفتح بابا واسعا للتساؤلات، وكان بإمكانها أن تراعي حساسية الذاكرة المهنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخص ارتبط اسمه في أذهان كثير من الصحفيين بمرحلة صدام بين جماعة الإخوان والإعلام، لهذا يبدو التبرير ضعيفا، لأن المشكلة ليست في الدعوة نفسها، بل في الرسالة التي تحملها، فالذاكرة لا تعمل بالانتقاء، والتاريخ لا يقرأ بنصف صفحاته.
الأكثر إثارة للدهشة أن هذه الدعوة تأتي في وقت لا تتوقف فيه النقابة عن الحديث عن الدفاع عن الدولة المدنية، ومواجهة الأفكار المتطرفة، والتصدي لمحاولات توظيف الدين في السياسة، وحماية حرية الصحافة من أي هيمنة حزبية أو أيديولوجية.
هنا يبرز سؤال مشروع لا يمكن القفز فوقه: كيف يمكن الجمع بين الخطابين؟ وكيف تحتفي النقابة بذكرى انتصار تاريخي على قانون اعتبره الصحفيون يوما سيفا مسلطا على رقابهم، ثم تمنح منصة التكريم لأحد أبرز الوجوه التي ارتبطت في الذاكرة العامة بمرحلة شهدت صداما حادا بين جماعة الإخوان والمؤسسات الإعلامية؟
المسألة هنا ليست شخصا بعينه، بقدر ما هي دلالة ورمز ورسالة، فالنقابات، مثل الدول، يمكن قياس رسائلها بما تفعله، وليس بما تقوله، وعندما تتعارض الرموز مع الشعارات، يصبح من حق أعضاء الجمعية العمومية أن يتساءلوا: أي الرسالتين تمثل النقابة حقا؟ هل تلك التي ترفع في البيانات والخطب، أم تلك التي تترجم على منصة التكريم؟
إن المشكلة ليست في شخص صلاح عبد المقصود السمكري وحده، الذي نجح في فيد معظم أقاربه وأعضاء جماعته عبر مجلة الزهور التي كان يديرها، وإنما في الرسالة التي يبعث بها هذا التكريم، فالرموز لها دلالاتها، والذاكرة المهنية لا تمحى ببطاقة دعوة، والجرح الذي تركته سنوات حكم الإخوان في جسد الصحافة المصرية لا يلتئم بمجرد الزعم أن الدعوة بروتوكولية أو أنها تشمل الجميع.
في ذكرى «معركة الحرية»، كان المنتظر أن ترفع النقابة أسماء الذين دافعوا عن استقلالها، وأن تستحضر من ذاكرتها صفحات الصمود والمواجهة، وأن تنحاز إلى رمزية المعركة التي صنعت أحد أهم انتصارات الصحفيين في تاريخهم، لكن الاحتفال انتهى إلى رسالة ملتبسة بدعوة وزير إعلام الإخوان، وهي رسالة أربكت كثيرين أكثر مما أسعدتهم، وأعادت إلى الأذهان جراحا ظن الصحفيون أنها أصبحت جزءا من الماضي، وبدت وكأنها اعتذار للتاريخ الخطأ، في يوم كان يفترض أن يكون احتفاء بالتاريخ الصحيح.




