أخبار عاجلة

لماذا أصبحنا نأكل أكثر ونشبع أقل؟

لماذا أصبحنا نأكل أكثر ونشبع أقل؟
لماذا أصبحنا نأكل أكثر ونشبع أقل؟

في الماضي كان الشعور بالشبع يأتي بصورة طبيعية بعد تناول وجبة متوازنة، أما اليوم فأصبح كثير من الناس يشتكون من أمر يبدو متناقضًا: نتناول كميات أكبر من الطعام، ومع ذلك لا نشعر بالشبع بالقدر نفسه. بل إن البعض يجد نفسه يبحث عن وجبة خفيفة أو حلوى بعد فترة قصيرة من تناول وجبة كاملة. فما الذي تغير؟

الحقيقة أن الأمر لا يتعلق فقط بقوة الإرادة أو ضعفها، بل يرتبط بشكل كبير بالتغيرات التي طرأت على طبيعة الغذاء الذي نتناوله يوميًا، خاصة مع الانتشار الواسع للأطعمة فائقة التصنيع.

ما المقصود بالأطعمة فائقة التصنيع؟

تشمل الأطعمة فائقة التصنيع المنتجات الغذائية التي تخضع لعمليات تصنيع متعددة وتحتوي غالبًا على مكونات مضافة مثل النكهات الصناعية والألوان والمواد الحافظة والمحليات والدهون المعدلة. ومن أمثلتها العديد من الوجبات السريعة، ورقائق البطاطس، والحلوى المغلفة، والمشروبات الغازية، وبعض المخبوزات الجاهزة والمنتجات المعلبة. ورغم أن هذه المنتجات تتميز بسهولة الحصول عليها وطعمها الجذاب، فإنها تختلف بشكل كبير عن الأغذية الطبيعية أو قليلة التصنيع من حيث تأثيرها على الجسم وآليات التحكم في الشهية.

الطعام لم يعد مجرد مصدر للطاقة

يمتلك الدماغ نظامًا معقدًا يعرف بمراكز المكافأة، وهي مناطق مسؤولة عن الشعور بالمتعة والتحفيز. وعندما نتناول طعامًا غنيًا بالسكر أو الدهون أو الملح، يفرز الدماغ مواد كيميائية مرتبطة بالشعور بالرضا والمتعة. وقد صُممت كثير من الأطعمة فائقة التصنيع بحيث تجمع بين مستويات مرتفعة من السكر والدهون والملح في الوقت نفسه، مما يجعلها أكثر قدرة على تحفيز مراكز المكافأة مقارنة بالأطعمة الطبيعية. ونتيجة لذلك يصبح الدماغ أكثر ميلًا لتكرار تناول هذه المنتجات حتى في غياب الجوع الحقيقي.

الشبع الذي يتأخر

لا يعتمد الشبع على كمية الطعام فقط، بل على تركيبته الغذائية أيضًا. فالأطعمة الغنية بالبروتين والألياف تحتاج وقتًا أطول للهضم وتساعد على إطلاق إشارات الشبع بصورة أكثر فعالية. أما الأطعمة فائقة التصنيع فغالبًا ما تكون منخفضة المحتوى من الألياف والبروتين، وسهلة المضغ وسريعة الهضم، مما يؤدي إلى تناول كميات أكبر منها خلال وقت قصير قبل أن يتمكن الجسم من إرسال إشارات الشبع إلى الدماغ.

ولهذا قد يستهلك الشخص مئات السعرات الحرارية من رقائق البطاطس أو الحلوى دون أن يشعر بالامتلاء الذي قد توفره وجبة متوازنة تحتوي على الخضروات والبقوليات أو البروتينات عالية الجودة.

السعرات الحرارية ليست القصة كلها

يعتقد البعض أن جميع السعرات الحرارية متشابهة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فمصدر السعرات يؤثر على الشهية والشبع والاستجابة الهرمونية للجسم. فعلى سبيل المثال، قد تحتوي وجبة سريعة ومشروب محلى على عدد كبير من السعرات الحرارية، لكنها لا توفر الإحساس بالشبع نفسه الذي تمنحه وجبة متوازنة تحتوي على البروتين والخضروات والحبوب الكاملة. لذلك قد يستهلك الفرد طاقة أكبر خلال اليوم دون أن يدرك ذلك.

الأكل السريع يسرق إشارات الشبع

من العوامل الأخرى التي تؤثر على الشعور بالشبع سرعة تناول الطعام. فالحياة السريعة وكثرة استخدام الهواتف الذكية والشاشات أثناء الوجبات جعلت الكثيرين يتناولون الطعام دون تركيز. ويحتاج الدماغ عادة إلى نحو عشرين دقيقة تقريبًا لاستقبال الإشارات الهرمونية المرتبطة بالشبع. وعندما يتم تناول الطعام بسرعة كبيرة، قد يستهلك الشخص كمية أكبر من احتياجاته قبل أن يشعر بالامتلاء. ومع مرور الوقت قد يتعود الإنسان على الأطعمة شديدة التحفيز للطعم، فتبدو له الأطعمة الطبيعية أقل جاذبية. وهنا يدخل في دائرة متكررة من البحث عن المزيد من الأطعمة الغنية بالسكر أو الدهون أو الملح للحصول على الإحساس نفسه بالمتعة، مما قد يؤدي إلى زيادة استهلاك الغذاء تدريجيًا.

كيف نستعيد الإحساس الطبيعي بالشبع؟

لا يتطلب الأمر حرمانًا أو اتباع أنظمة غذائية قاسية، وإنما بعض التعديلات البسيطة في نمط الحياة، مثل زيادة تناول الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، والاهتمام بمصادر البروتين، وتقليل الاعتماد على المنتجات فائقة التصنيع، وتناول الطعام ببطء ووعي بعيدًا عن الشاشات، مع الحرص على النوم الجيد والنشاط البدني المنتظم.

وفي النهاية، فإن الشعور المستمر بالجوع ليس دائمًا دليلًا على حاجة الجسم إلى مزيد من الطعام، بل قد يكون انعكاسًا لطبيعة الغذاء الذي نتناوله. فكلما اقتربنا من الأغذية الطبيعية والمتوازنة، أصبح من الأسهل على الجسم أن يستعيد قدرته الفطرية على تنظيم الشهية والشعور بالشبع.