أخبار عاجلة

مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية.. مكاسب سياسية على المحك!

مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية.. مكاسب سياسية على المحك!
مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية.. مكاسب سياسية على المحك!

مع إعلان التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، تدخل المنطقة مرحلة سياسية جديدة تتجاوز فكرة إنهاء المواجهة العسكرية إلى إعادة صياغة موازين النفوذ الإقليمي.

 

وبينما تنظر طهران إلى الاتفاق باعتباره تتويجًا لصمودها خلال الحرب، تعتبره إسرائيل تحولًا استراتيجيًا يهدد حساباتها، خصوصًا مع تمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعدم الانسحاب من جنوب لبنان ورفضه الالتزام بمخرجات التفاهم.

ومن هنا، يصبح لبنان نقطة التقاء مباشرة بين مسار التهدئة الأمريكية -الإيرانية ومخاوف إسرائيل من تداعياته.

وانطلاقًا من هذه الخلفية، لم يأت الاتفاق كحدث منفصل، بل كحلقة ضمن مسار تفاوضي أوسع يسعى إلى تثبيت وقف الحرب واحتواء تداعياتها الإقليمية.

 

إعلان واشنطن وطهران التوصل إلى تفاهم شامل، وما تلاه من حديث عن فتح مضيق هرمز ورفع القيود البحرية، يعكس انتقال الصراع من ساحات المواجهة المباشرة إلى طاولة الترتيبات السياسية. غير أن هذا التحول، رغم ترحيب أطراف دولية به، اصطدم منذ لحظته الأولى بموقف إسرائيلي رافض، ما أعاد طرح سؤال الاستقرار من جديد.

 

 

وفي ظل هذا التباين في القراءة، لا تزال بنود مذكرة التفاهم غير واضحة بالكامل، رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اكتمال الاتفاق وبدء تنفيذ ما يتعلق بفتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري. المعطيات المتاحة تشير إلى أن ما تم الإعلان عنه لا يتجاوز الخطوط العامة، بينما تبقى التفاصيل محل تسريبات وتقديرات متضاربة.

وانطلاقًا من هذا الغموض، برزت قراءات أمريكية وإسرائيلية تتحدث عن خلافات داخلية حول مضمون الاتفاق، إلى جانب مؤشرات على امتعاض إسرائيلي من بعض جوانبه، باعتبار أنه يعيد تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة بطريقة لا تتوافق مع الرؤية الإسرائيلية التقليدية للأمن الإقليمي.

 

وبالانتقال من الإطار العام للاتفاق إلى تفاصيله الإقليمية، يبرز لبنان بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في هذا التفاهم.قد أكدت الخارجية الإيرانية أن بيروت كانت حاضرة في مجريات التفاوض، وأن مسألة احترام السيادة اللبنانية وإنهاء الحرب على مختلف الجبهات شكلت  جزءًا أساسيًا من النقاشات.

وتماشيًا مع هذا الطرح، شدد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أن إنهاء الحرب في لبنان ليس ملفًا منفصلًا، بل جزء لا يتجزأ من التفاهم الشامل لوقف إطلاق النار، ما يعكس ترابط الساحات في الحسابات الإيرانية -الامريكية. وهنا تحديدًا يطرح الواقع سؤالًا: هل يتحول لبنان إلى بند تفاوضي ضمن صفقة إقليمية أوسع، أم إلى ساحة اختبار لمدى صمود هذا التفاهم؟

 

وفي مقابل هذا المسار التصالحي، جاء الموقف الإسرائيلي ليكسر حالة الإجماع الدولي. فقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصادر سياسية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، وأنها لا تعتبر نفسها ملزمة بأي تفاهمات جرى التوصل إليها بين واشنطن وطهران.

ومن خلال هذا الموقف، يتضح أن إسرائيل تنظر إلى الاتفاق بوصفه تحولًا قد يعيد توزيع النفوذ في المنطقة بطريقة تحد من هامش حركتها العسكري والسياسي.

وبالتالي، فإن الاعتراض الإسرائيلي لا يعبر فقط عن رفض بنود محددة، بل عن خشية أعمق من إعادة صياغة قواعد الأمن الإقليمي.

وانسجامًا مع هذا القلق، تحدثت تقارير عن محاولات إسرائيلية لفرض وقائع ميدانية جديدة عبر التصعيد في الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أي جولة تفاوضية مقبلة، في محاولة لتعديل ميزان التفاوض قبل تثبيت أي معادلة نهائية.

 

وبالانتقال إلى مستوى القراءة السياسية للنتائج، تنقسم المواقف بشكل حاد بين طهران وتل أبيب.في إيران، يقدم الاتفاق باعتباره نتيجة مباشرة لصمود الدولة خلال الحرب، إذ يرى المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن مذكرة التفاهم تمثل إنجازًا استراتيجيًا يعكس قدرة إيران على فرض شروطها في النهاية.

كما عززت تصريحات القائد العام للجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي هذا الاتجاه، حين أكد أن العدو أدرك أن عليه احترام الشعب الإيراني ونظام الجمهورية الإسلامية، وهو ما يعكس سردية إيرانية تعتبر أن نتائج الحرب انتهت إلى تثبيت موقع طهران لا إضعافه.

في المقابل، تتبنى أوساط إسرائيلية سردية مختلفة تمامًا،إذ اعتبر وزير المالية سموتريتش أن الاتفاق "سيئ لإسرائيل"، بينما ذهبت صحيفة “معاريف” إلى أن إيران أثبتت مجددًا أنها الطرف الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الأحداث. كما برزت تعليقات إسرائيلية أخرى ترى أن واشنطن خرجت من الحرب بتسوية لا تعكس الأهداف التي كانت معلنة في بدايتها.

 

وانطلاقًا من هذا التباين، تتشكل قراءة سياسية تعتبر أن ميزان المكاسب لم يحسم بعد بشكل نهائي.بينما تحاول إيران تثبيت صورة المنتصر السياسي القادر على الانتقال من الحرب إلى التفاوض دون تقديم تنازلات جوهرية، تواجه إسرائيل معضلة إعادة تقييم نتائج المواجهة في ضوء الاتفاق الجديد.

وبذلك، لا يبدو السؤال متعلقًا بمن انتصر أو خسر بشكل مطلق، بل بكيفية إعادة توزيع النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب، وما إذا كان هذا التوازن الجديد قابلًا للاستقرار أم أنه يفتح الباب أمام جولات صراع مختلفة في الشكل والأدوات.

 

وبالانتقال إلى مستقبل الاتفاق، يبرز سؤال يتعلق بقدرة إسرائيل على التأثير في مساره. نتنياهو يدرك أن أي تفاهم أمريكي -إيراني واسع سيعيد رسم حدود الحركة الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما قد يدفعه إلى استخدام أوراق ضغط سياسية وعسكرية، خاصة في الساحة اللبنانية.

غير أن نجاح واشنطن وطهران في تثبيت التفاهم وتحويله إلى إطار مستدام، بدعم دولي وإقليمي، قد يقلل من قدرة أي طرف منفرد على تعطيله أو إعادة إنتاج الصراع بالشكل السابق.

 

وبناء على ذلك، لا يمكن النظر إلى مذكرة التفاهم الأمريكية -الإيرانية باعتبارها مجرد نهاية لحرب، بل بوصفها نقطة تحول في إدارة الصراع داخل الشرق الأوسط. بينما تسعى طهران إلى تثبيت مكاسبها السياسية، وتحاول إسرائيل منع تداعيات لا تخدم مصالحها، تتحرك واشنطن لإعادة ضبط التوازن الإقليمي.

وفي قلب هذا المشهد، يبقى لبنان الحلقة الأكثر حساسية، ليس فقط لأنه جزء من النقاش، بل لأنه قد يكون معيار اختبار حقيقي لمدى قدرة هذا التفاهم على الصمود أو الانهيار. ومن هنا، فإن مستقبل المنطقة قد لا يحسم في لحظة توقيع الاتفاق، بل في تفاصيل تطبيقه على الأرض.