في ظل التحولات المتسارعة في المشهد الإقليمي، وتزايد المؤشرات على إعادة رسم التوازنات بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، تبرز ملفات الأمن البحري والطاقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بوصفها أحد أهم مفاتيح التأثير في الاقتصاد العالمي والسياسات الإقليمية، بالتوازي مع تطورات الحرب والتفاهمات السياسية الجارية بين الأطراف المختلفة.
وقال الدكتور محمد العدوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط، إن الولايات المتحدة تعتبر أن وجود إسرائيل والدفاع عنها يمثلان أولوية ضمن منظومة الأمن القومي الأمريكي، مشيرًا إلى أن هذه العلاقة ستظل مستمرة رغم ما يشوبها من توترات بين الحين والآخر.
وأضاف أن واشنطن تنسق بشكل كبير مع إسرائيل في العديد من التحركات والعمليات العسكرية الخارجية، بما يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين.
وأوضح "العدوي" أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وعلى رأسها حكومة بنيامين نتنياهو، كثيرًا ما وضعت الإدارة الأمريكية في مواقف محرجة نتيجة التناقض بين التصريحات الأمريكية وبعض الممارسات الإسرائيلية على الأرض، إلا أن المؤسسات الأمريكية، وفق تعبيره، تظل ملتزمة تجاه إسرائيل بفعل تشابك المصالح الاستراتيجية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تدرك أن النظام السياسي داخل إسرائيل يعاني من عدم الاستقرار، وهو ما يجعل حالة “الحرب المستمرة جزءًا من آلية إدارة الداخل الإسرائيلي، مؤكدًا أن هذا الوضع ينعكس على استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في أكثر من ساحة، لا سيما جنوب لبنان.
إعادة بناء القدرات
وأضاف العدوي أن ما يُعرف بـ"حكومة الحرب" في إسرائيل تعكس حاجة داخلية لشخصية مثل نتنياهو، الذي يرى في استمرار الصراع وسيلة للبقاء السياسي وتجنب المساءلة القضائية أو خسارة السلطة، وهو ما يفسر استمرار التصعيد العسكري في بعض الجبهات.
وفي السياق نفسه، لفت إلى أن من أبرز الإشكالات التي تواجه الإدارة الأمريكية، وفق ما أشار إليه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، هو ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية، خاصة في جنوب لبنان، وهو ما يثير انتقادات داخلية وخارجية متزايدة.
وأوضح أن هذه العمليات تؤثر أيضًا على الاستقرار الداخلي في لبنان، وتمنح حزب الله وجماعات أخرى مبررات إضافية للاستمرار في حمل السلاح ومقاومة الدولة، ما يعقد المشهد الأمني والسياسي في البلاد.
وفي ما يتعلق بإيران، أشار العدوي إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد توجهًا نحو إعادة بناء القدرات العسكرية والبنية التحتية التي تضررت بفعل الحرب، إلى جانب البحث عن مصادر تمويل جديدة وإعادة الاندماج في الإطارين الإقليمي والدولي كفاعل أقل ميلًا لاستخدام القوة.
وأضاف أن التحولات داخل النظام الإيراني قد تدفع نحو دعم تيارات أكثر اعتدالًا تسعى إلى خفض التوترات الإقليمية وتبني مقاربات أمنية مشتركة، مع تقليل التدخلات في شؤون دول المنطقة، إلا أنه أكد أن الوصول إلى تسوية شاملة وسريعة خلال فترة قصيرة لا يزال أمرًا غير مرجح.
وشدد العدوي على أن مضيق هرمز يظل عنصرًا محوريًا في معادلة الطاقة العالمية، موضحًا أن أي تغيير في وضع المضيق أو تدفق النفط الإيراني ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة العالمية، وبالتالي على الاقتصاد الدولي.
وأشار إلى أن انخفاض الأسعار إلى حدود 80 دولارًا أو أقل يعد مكسبًا للأسواق العالمية، وقد يمتد التأثير إلى مستويات أدنى مستقبلًا.
واعتبر أن مضيق هرمز يمثل "عصبًا رئيسيًا" لتجارة الطاقة العالمية، ويمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية في أي مفاوضات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، خاصة في ظل ارتباطه المباشر بأسواق النفط العالمية وتأثيره على استقرار الاقتصاد الدولي.
إيران تعزز موقعها كلاعب رئيسي
وقال الخبير في الشأن الإيراني إبراهيم شير، إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بات مجبرًا على التعامل مع الأمر الواقع، في ظل توجه أمريكي واضح نحو التوصل إلى اتفاق مع إيران، يحظى بدعم غالبية أركان الإدارة الأمريكية.
وأضاف أن الاتفاق الإيراني الأمريكي يعيد تشكيل البيئة العسكرية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، مشيرًا إلى أن إيران تمكنت من تعزيز موقعها كلاعب رئيسي في التوازنات الإقليمية، رغم الحرب والتصعيد العسكري الذي استهدف تقويض قدراتها.
وأوضح أن إسرائيل لم تحقق الأهداف التي أعلنتها في بداية الحرب، سواء في ما يتعلق بالبرنامج النووي أو الصاروخي الإيراني، بينما انتهى المسار إلى تفاهمات تحد من التصعيد دون القضاء على القدرات الإيرانية، وهو ما تعتبره طهران مكسبًا سياسيًا واستراتيجيًا.
وأشار شير إلى أن فتح مضيق هرمز وعودة تدفق النفط الإيراني إلى الأسواق سيؤديان إلى انعكاسات اقتصادية إيجابية، من خلال خفض أسعار الطاقة وتحسين الاستقرار في الأسواق العالمية، لافتًا إلى أن ذلك قد ينعكس أيضًا على المزاج الانتخابي داخل الولايات المتحدة.
وختم بأن إعادة تشغيل صادرات النفط الإيرانية تمثل فرصة لإعادة الإعمار داخل إيران وتعزيز وضعها الاقتصادي، معتبرًا أن المرحلة الحالية قد تشهد إعادة صياغة شاملة لموازين القوة في المنطقة، يكون فيها الاقتصاد والطاقة عنصرين حاسمين في رسم السياسات المستقبلية.




