أخبار عاجلة

"المـــــــواء الأخيــــر".. صراع الكلاب الضالة والقطط يهدد التوازن البيئي

"المـــــــواء الأخيــــر".. صراع الكلاب الضالة والقطط يهدد التوازن البيئي
"المـــــــواء الأخيــــر".. صراع الكلاب الضالة والقطط يهدد التوازن البيئي

وسط نباح قطعان الكلاب الضالة وتزايد أعدادها بشكلٍ ملحوظ، ما دفع الدولة لاتخاذ إجراءاتٍ فورية متوازنة لكبح جماح خطرها على المواطنين، كانت هناك كائنات أخرى بدأ يخفت مَواؤها في صمت وتقل أعدادها بشكل ملحوظ من المربعات السكنية، ألا وهي "القطط المستأنسة"، وذلك بعد أن طُردت من موائلها الطبيعية أو قُتلت داخل مداخل العمارات السكنية لإشباع غريزة الافتراس المستحدثة لدى الكلاب.

12.jpg

لم يعد غريبًا اليوم، أن يرى السكان مجموعات من الكلاب في مطاردة شرسة وغير متكافئة مع قطة، تنتهي دائمًا بقتلها وافتراسها، مما أجبر بقية القطط على الفرار والهروب الجماعي من أي منطقة تفرض فيها الكلاب نفوذها، لتترك الشوارع والمناور أمام غزو صامت من القوارض والأوبئة، مهددةً بكارثة بيئية جديدة.

أمام هذا المشهد الميداني المتشابك، قمنا في "الدستور" برصد ظاهرة قتل الكلاب الضالة للقطط المستأنسة وتراجع أعداد الأخيرة في الشوارع بصفة جماعية لاحظها وتأثر بها قطاع عريض من المواطنين، وتتبعنا- عبر هذا التحقيق- أثر هذا الخلل البيولوجي المباشر على التوازن البيئي في مصر.

13.jpg

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية رسمية واضحة تُحصي أعداد القطط في شوارع مصر، سواء قبل انتشار الكلاب الضالة بهذه الدرجة الهائلة أو بعدها، وعدم تحديد السبب الحقيقي وراء قلة أعدادها ببيانات رسمية، إلا أن شهادات شهود العيان من المواطنين ومنشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك المقاطع المرئية "الفيديوهات" الموثقة التي تؤكد تعرض أعداد كبيرة من القطط للهجوم والقتل من قِبل الكلاب الضالة، لابد أن توضع في الاعتبار كدليل دامغ لا ينبغي الاستهانة به، فربما يكون مؤشرًا لخطرٍ داهم. 

21.jfif

وهو أمر يتسق مع المنطق تمامًا، إذ إن شأن هذه الكائنات الضعيفة في مواجهة الأزمة هو شأن آلاف المواطنين، مما ينذر بكارثة بيئية، لا سيما مع تراجع ملحوظ  في أعداد القط بالشارع المصري، أمام كثرة قطعان هذه الكلاب الضالة.

نبض الميدان والمنصات الرقمية.. شهود عيان يوثقون "إبادة القطط"

بعد سنوات طويلة اعتادت فيها السيدة "منال محمد"، والتي تقطن بحي المعادي وتتجه يوميًا إلى مقر عملها بحي الدقي على رؤية القطط المستأنسة تنتشر بكثافة طبيعية على جنبات الطرق وفي محيط العمارات، تبدلت المؤشرات تمامًا في الآونة الأخيرة، حسب روايتها إذ توازى الانتشار الكثيف لقطعان الكلاب الضالة مع قلة ملحوظة في أعداد القطط، وانزوائها بشكل واضح في أماكن نائية ومرتفعة بعيدًا عن أعين تلك القطعان الشرسة حسبما قالت منال لـ "الدستور".

لم تقف ملاحظة السيدة عند حدود رصد تراجع الأعداد، بل من واقع مشاهداتها المتكررة على طول هذا الطريق لاحظت وجود حرب شرسة تشنها الكلاب ضد القطط خاصة مع وجود الكلاب في مجموعات والقطط منفردة، حيث شاهدت أكثر من مرة هجوم قطعان الكلاب الضالة على القطط ومطاردتها وبث الرعب فيها لإجبارها على الجلاء، بل وصل الأمر في أحيان كثيرة إلى الفتك بها وقتلها أمام عينيها.

35.jpg

وتلك السيدة أمل أحمد ثلاثينية تقطن منطقة حدائق الأهرام بـالجيزة، تروي لـ"الدستور" تفاصيل حادثة افتراس بشعة جرت أمام عينيها أسفل العمارة السكنية التي تقيم بها، مبرزةً حالة العجز التام التي انتابتها أثناء محاولة الإنقاذ.

ووصفت السيدة بحسرة بالغة كيف تحول محيط عقارها في ساعة متأخرة بعد أن دخل الكلاب فيه من الليل فجأة إلى ساحة إعدام علنية، بعدما حاصر قطيع مؤلف من أكثر من سبعة كلاب ضالة قطة مسكينة، وبدأ في تمزيق جسدها لإشباع غريزة الفتك بصورة وحشية، ورغم محاولاتها المستميتة والصراخ من شرفتها وفي مدخل العمارة لترهيب القطيع وإبعاد مخالبه عنها، إلا أن الشراسة التنظيمية للكلاب أحبطت أي فرصة للإنقاذ، لتترك جثة القطة هامدة غارقة في دمائها.

ليس في القاهرة والجيزة فقط، بل ومن واحدة من مدن الصعيد روى المواطن "عمرو أحمد"، وهو أحد السكان المهتمين برعاية الحيوانات الطليقة وتغذيتها بانتظام، أنه من واقع حركته اليومية لاحظ ملامح التغير العددي الحاد في أعداد القطط بالشارع الذي يقطن به وفي الوقت نفسه الكثافة الملحوظة لأعداد الكلاب، وذلك خلال الأشهر القليلة الماضية،  إذ تراجعت الكثافة العددية للقطط - التي كانت تتصدر المشهد سابقًا - حتى بات من النادر رصد قطة واحدة في الشوارع أو قرب مكبات النفايات.

ويعزو "عمرو" هذا الاختفاء الفجائي من خلال ملاحظاته المتكررة إلى فرض قطعان الكلاب الضالة سيطرتها الكاملة على المربعات السكنية، حيث باتت تتحرك في مجموعات تنظيمية مكثفة، وتتعمد مطاردة وتنفير أي قطة تحاول التواجد في النطاق الجغرافي ذاته، فتبث الرعب فيها لإجبارها على الجلاء والفرار، بل وتتطور تلك المطاردات في كثير من الأحيان إلى الفتك بها وقتلها مباشرة.

22.jfif

ومن بين الملاحظات التي استدل بها عمرو على هذا،  ما  اعتاد عليه لسنوات ترك وجبات وبقايا طعام منزلية مغلفة بانتظام أمام باب عمارته السكنية لتقتات عليها القطط، إلا أن التحول اللافت في الآونة الأخيرة تمثّل في بقاء هذا الطعام مهجور أمام باب العقار لليومين والثلاثة أيام متواصلة دون أن يقترب منها أو يلمسها قط واحد، في إشارة ميدانية حاسمة على خلو المنطقة تمامًا من الحارس التاريخي للمنازل، تزامنًا مع تنامي المخاوف من غزو وشيك للقوارض والفئران التي بدأت تجد بيئة خصبة للتكاثر والتغلغل.

كذلك رصدت "الدستور" كيف تحولت "جروبات الأحياء السكنية" على منصات التواصل الاجتماعي "فيسبوك" إلى ساحات من الحديث المتكرر عن قلة أعداد القطط، وامتدت لتشمل سردًا لوقائع يومية ومشاهدات حية لمهاجمات الكلاب المتكررة لها.

د. شيرين زكي تفتح النار: أين مدعو الرحمة من مجازر افتراس الكلاب للقطط؟

الدكتورة شيرين علي زكي، الرئيس السابق للجنة السلامة الغذائية بنقابة البيطرين، أوضحت أن التوثيق الميداني- المتمثل في عشرات مقاطع الفيديو المشفوعة بالأدلة القاطعة والمثبتة بالفعل- يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الكلاب الضالة باتت تهاجم القطط وتقتلها بشكل ممنهج ومتكرر في الشوارع والمربعات السكنية.

وتابعت أن المفارقة العلمية الخطيرة هنا تكمن في أن الكلاب تُميت القطط وهي ليست جائعة، فليس هدفها سد الجوع أو البحث عن طعام لكونها لا تأكلها بعد الإجهاز عليها، وإنما تهاجمها وتقتلها بدافع الافتراس الغريزي العنيف، وفرض النفوذ والسيطرة المطلقة على النطاق السكني.

962.jpg

وأضافت أن هذا الافتراس والتصفية المستمرة لقطط الشوارع - التي تمثل خط الدفاع الفطري والسد البيولوجي الأول تسببا في تراجع ملحوظ وأزمة واضحة في توازن أعدادها، مما ينذر بانهيار هذا التوازن تمامًا، ويفسح المجال أمام انفجار أعداد القوارض من الفئران والعرس بشكل مرعب داخل المنازل والمناور، وهي كائنات ناقلة للأمراض والأوبئة وعاثية في الممتلكات.

 وتساءلت مستنكرة: "لماذا يختفي مدعو الرحمة بالكلاب أمام هذه القطط المستباحة التي تُباد غريزيًا؟ ولماذا لا نراهم ينادون بوقف مجازر إبادتها، أم أن رحمتهم مجزأة وموجهة لخدمة أهداف معينة؟".

17.jfif

كما شددت على أن إلقاء مخلفات الدواجن وأحشائها ودماء الدواجن لتغذية الكلاب في المدن هو سلوك غير قانوني تمامًا، ويعارض صراحة القوانين البيئية المعمول بها، متسائلة: "لماذا يصر هؤلاء على إلقاء تلك المخلفات في الطرقات العامة في تحدٍ صارخ للقانون؟ وأين قانون البيئة ورجال الضبطية القضائية من ردع هذه التجاوزات؟".

 وأوضحت أن الأخطر من ذلك هو أن عمليات الإلقاء والتغذية هذه تتم عمدًا تحت جنح الظلام وفي ساعات الليل المتأخرة، لإدراك القائمين عليها بأن هذا النشاط مخادع ومجرم قانونًا، فيستهدفون التخفي عن أعين الرقابة المحلية والمواطنين.

غزو من قلب الصحراء.. دماء الدواجن تجتذب "الثعالب والزواحف" لعمق المدن الجديدة

حذرت شيرين من أن الممارسات السلوكية الخاطئة المتمثلة في إلقاء مخلفات الدواجن واللحوم النيئة للكلاب وسط المدن الجديدة والمتاخمة للظهير الصحراوي، تنذر بكارثة بيئية مضاعفة، إذ تسهم تلك المخلفات في جذب الثعالب والحيوانات البرية من قلب الصحراء إلى عمق المربعات السكنية، نظرًا لما تمتلكه تلك الحيوانات البرية من حاسة شم قوية ونفاذة تجعلها تتتبع روائح الدماء والأحشاء وتستوطن بين البنايات مما يخلق تهديدًا من حيوانات أخرى أكثر خطورة.

20.jfif

وأكدت على أن الكلب الضال ليس مكافحًا بيولوجيًا، بل هو حيوان إقليمي يفرض سيطرته ونفوذه بالقوة لمنع أي كائن آخر من دخول نطاق نفوذه الجغرافي، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا، في حين أن المكافح الرئيسي والتاريخي للقوارض والزواحف هي القطط والطيور الجارحة.

وانتقدت شيرين استيطان الكلاب حاليًا لمداخل البيوت ومحيط المدارس لتتحرك كقنابل موقوتة تهدد السلم المجتمعي، في وقت تسعى فيه الدولة عبر مشروعات حديثة ومنظمة، مثل مشروع "شلتر التبين"، لإيجاد حلول علمية وآمنة للسيطرة على هذه الظاهرة.

محام: إلقاء مخلفات الحية جريمة بيئية يعاقب عليه القانون 

إلقاء مخلفات الدواجن وبقايا الأطعمة في الطرقات ومداخل العقارات جريمة بيئية وصحية مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون، وذلك حسب ما وضح الأستاذ محمد بركات المحامي في حديثه "للدستور" مشيرًا إلى أن هذا الفعل يشكل خرقًا قاطعًا لأحكام قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، والذي يحظر تمامًا التخلص من المخلفات العضوية في غير المواقع المخصصة لها، وتتضاعف المسؤولية القانونية والجنائية طالما أن هذا الإطعام العشوائي يؤدي إلى جذب قطعان الكلاب الضالة، أو تفشي القوارض والحشرات، ونشر الروائح الكريهة، مما يمثل مساسًا مباشرًا بالأمن البيئي والصحة العامة، ويمنح أجهزة الإدارة المحلية والأحياء ومأموري الضبت القضائي كامل الحق في تحرير المحاضر الفورية وتحريك الدعاوى القضائية ضد المخالفين.

41.jfif

المقاتل الأكفأ ضد الثعابين.. كيف يؤدي غياب القطط إلى تجريد الشوارع من خط دفاعها الفطري؟

من جانبه أوضح الدكتور مصطفى الجعفري، الباحث بجامعة إليون وأستاذ الطب البيطري بجامعة القاهرة، في تصريحاته الخاصة لـ "الدستور"، أن الدول المطلة على الغابات والتي تضم كائنات برية كالدببة والنمور، هي البيئات الوحيدة التي تحتاج بيولوجيًا إلى وجود الكلاب ضمن منظومتها، حيث توجد في قمة الهرم الغذائي كائنات تتغذى على الكلاب نفسها وتكبح جماح تكاثرها، موضحًا أنه في تلك المجتمعات، تقتصر وظيفة الكلاب على حراسة السكان وإنذارهم من اقتراب المفترسات، بل وتتحول في أحيان كثيرة إلى "فريسة بديلة" تحمي البشر من الهجمات الفتاكة، مما يحقق توازنًا بيئيًا طبيعيًا تتوافر فيه سلسلة الحيوانات وآكلي اللحوم دون أي تدخل بشري لتعديله.

967.jpg

وتابع أنه على النقيض تمامًا فإن وجود القطط هو الركيزة الأساسية للأمن البيئي في المجتمعات التي تشبه طبيعة مجتمعنا المصري، سواء في القرى أو المدن، وقتلها وافتراسها مثلما يحدث حاليًا بفعل الكلاب يمثل تهديدًا صارخًا لها، نظرًا لأن القط كائن صياد بالفطرة، ومختص تاريخيًا بالقضاء على الكائنات الشديدة الخطورة كالعِرس، والثعابين، والعقارب. 

ودحض الخبير البيئي الادعاءات التي تروج بأن الكلاب هي التي تحمي الشوارع من الزواحف، واصفًا إياها بأنها "معلومات عارية تمامًا من الصحة العلمية.

1.jfif

وتابع بقوله أن الكلب ليس صيادًا للزواحف، وفي حالات نادرة جدًا قد ينجح قطيع ضخم من الكلاب في محاصرة ثعبان والقضاء عليه، لكن القاعدة العلمية والميدانية تؤكد أن الثعبان غالبًا ما يعقر الكلب ويفر هاربًا، في حين أن القطط هي العدو الطبيعي والمقاتل الأكفأ ضد الثعابين والقوارض والعِرس، وأكد أنه لما كانت القطط هي المستهدف الأول والمباشر للكلاب الضالة، فإن انتشار الأخيرة وتغوّلها سيؤدي تلقائيًا إلى تصفية القطط، وترك الشارع بلا خط دفاع طبيعي.

استثناء لا يُقاس عليه.. حقيقة الصراع البيولوجي بين القطط والكلاب في الشارع

وردًا على مقولة البعض بأن الكلاب والقطط يمكنها التعايش جنبًا إلى جنب في الشوارع، أكد "الجعفري" أن هذا الادعاء المضلل مجرداستثناء لا يقاس عليه، مبينًا أن التعايش السلمي محصور فقط بين الحيوانات المستأنسة داخل المنازل والتي نشأت وتربت معًا منذ البداية، أما في البيئة البرية المفتوحة فالوضع الطبيعي يفرض أن القطط والكلاب أعداء ومتنافسين تاريخيين، ومع الانتشار الانفجاري للكلاب زادت قوتها وسيطرتها لتفرض آلية الفتك الفوري والتصفية ضد القطط الأضعف جسديًا والأكثر فائدة للبيئة فهي الحارس الأمن على المدن والقرى.

25.jfif

وأضاف "الجعفري" أن أولى المؤشرات الملموسة والعلنية لهذا الخلل بدأت تظهر بالفعل في الدفاتر الرسمية الحالية، حيث توازى انتشار الكلاب وإهدار المحاصيل مع تحرك وزارة الزراعة مؤخرًا لشن حملات مكثفة لمقاومة الفئران والقوارض في عدة محافظات لحماية الإنتاج الزراعي بعد قلة القطط- الحيوان الصياد الطبيعي.

سيناريو مرعب.. كيف ينقل اختفاء القطط المجتمع من أزمة أحياء إلى انفجار وبائي؟

وحذر من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي حتمًا إلى تطور فيروسات خطيرة تنقلها الفئران والعِرس، مثل فيروس "هانتا" القاتل، فضلًا عن الأزمات الفيروسية العالمية والتحذيرات التي تطلقها منظمة الصحة العالمية بشأن الأوبئة المرتبطة بالحيوانات الطليقة كـ "كورونا" وغيرها.

حقيقة فيديو "ثعالب حدائق أكتوبر".. مفاجأة علمية

وفي سياق تفكيك ما أسماها شائعات حاولت تبرير انتشار الكلاب بحجة حماية المدن الجديدة من الحيوانات البرية، علّق الدكتور مصطفى الجعفري على مقطع الفيديو المتداول مؤخرًا بشأن ظهور ثعالب في منطقة "حدائق أكتوبر"، مؤكدًا أن هذا المقطع من الأرجح أنه "مفتعل ومصنوع لإثارة الذعر".

واستند "الجعفري" في تفنيده إلى الطبيعة السلوكية والبيولوجية للحيوان، قائلًا: أن مقطع الفيديو الثعالب وهي تتحرك في شكل مجموعة أو قطيع، وهذا يتنافى جملة وتفصيلًا مع الطبيعة الحيوية للثعالب، إذ إنها حيوانات تعيش بشكل منفرد ومنعزل تمامًا ولا تتحرك في جماعات مطلقًا".

976.jpg

وأضاف  أستاذ الطب البيطري بجامعة القاهرة، أن التهويل من خطر الثعالب في المدن الجديدة هو محض رعب زائف، فالثعلب المصري كائن يتميز بالجبن الشديد والخوف الغريزي من الإنسان، ولا يشكل أي خطر على حياة البشر بل يقتصر نشاطه على مهاجمة الدجاج في المناطق الريفية، مستطردًا "إن الثعلب المصري ضعيف وصغير الحجم لدرجة أن قطًا مستأنسًا واحدًا بمفرده يستطيع مواجهته، ومطاردته، وقتله، وبالتالي فإن الادعاء بأننا بحاجة إلى قطعان الكلاب الضالة لتقضي على الثعالب هو تضليل علمي وميداني لا يستند إلى أي حقيقة".

كيف أنقذت "القطط الحبشية" غلال الفراعنة من مجازر الكلاب الضالة؟

وأخيرًا ربط الدكتور مصطفى الجعفري، بين الواقع الحالي وواقعة تاريخية وثقها الأجداد الفراعنة، قائلًا "إن التاريخ يعيد نفسه بدقة، ففي العصور الفرعونية القديمة، واجهت مصر أزمة شبيهة عندما تسببت الكلاب في تراجع أعداد وانقراض فصائل من القطط المصرية القديمة من فصيلة "الماو المصري"، مما أدى حينها إلى انفجار عددي مرعب للقوارض والفئران التي التهمت المحاصيل الزراعية وهددت مخازن الغلال، مما اضطر الدولة المصرية آنذاك إلى استيراد "القطط الحبشية" من بلاد الحبشة لإعادة الانضباط البيئي ومقاومة القوارض وحماية المحاصيل من الإهدار والتلف، وهي القطط الموجودة إلى الآن في مصر حيث أن القط المصري الأصيل هو قط نادر وباهظ الثمن.

الأكياس المائية وسعار الماشية.. جبهة طبية تفجر الخريطة الوبائية لـ "فوضى الكلاب"

لم تتوقف التحذيرات البيطرية عند حدود العقر، بل فجّرت الدكتورة شيرين زكي والدكتور مصطفى الجعفري مواجهة طبية حول الخريطة الوبائية للشارع، مؤكدين أن الكلاب تحمل في فمها بكتيريا قاتلة، وتُعد الناقل الأخطر لـ "الدودة الشريطية" المسببة للأكياس المائية في أحشاء الإنسان نتيجة برازها الملوث بالطرقات. 

كما قطع المصدران بأن المسؤول الأول والتاريخي عن وفيات مرض "السعار الحاد" "داء الكلب" هي قطعان الكلاب الضالة، وليس القطط، كما يزعم وينشر البعض تضليلًا للرأي العام.

993.jpg

وفي سياق متصل، كشف الدكتور مصطفى الجعفري، عن امتداد هذا الخطر الوبائي ليتجاوز صحة الإنسان ويهدد الأمن الغذائي القومي، حيث رصدت التقارير البيطرية مؤخرًا ظهور داء "السعار" بين قطعان الماشية، وهو ما يتسبب في ضرب الثروة الحيوانية وتراجع أعدادها ونقصها في الأسواق نتيجة تفشي العدوى الفتاكة التي تنقلها الكلاب الضالة للمزارع والقرى.

دفاتر شركات الإبادة تكشف المستور.. قفزة في بلاغات "حشرة البق" والهدوء المؤقت للفئران مسألة وقت

ولرصد مؤشرات تهديد قلة أعداد القطط على أرض الواقع وخلف جدران الشقق والمبان، تواصلت "الدستور" مع ثلاث من كبرى شركات مكافحة الحشرات وإبادة القوارض بالقاهرة والجيزة، لمعرفة طبيعة الشكاوى والبلاغات التي تسجلها المنشآت مؤخرًا.

وجاءت مؤشرات الشركات الثلاث متطابقة، حيث أكد مسؤولوها أنه على مدار الأشهر الأخيرة، سجلت السوق قفزة ملحوظة وغير مسبوقة في بلاغات واستدعاءات المواطنين لإبادة "حشرة البق" التي انتشرت بشكل مقلق ومفاجئ داخل الشقق السكنية. 

14.jfif

وعلى صعيد القوارض، أوضحت الشركات أن هناك انتشارًا عامًا وملموسًا للقوارض بمختلف سلالاتها، في حين أن "الفئران الكبيرة" تحديدًا لا تزال مؤشراتها الإحصائية- حتى كتابة هذه السطور- تدور في معدلاتها الموسمية الطبيعية المعتادة ولم تصل بعد لمرحلة الطفرة العددية.

وفي استقراء مستقبلي خطير، علّق المدير الفني لإحدى الشركات الثلاث على هذا الهدوء المؤقت للفئران، قائلًا لـ "الدستور"  أن بقاء الفئران في معدلها الطبيعي حاليًا هو مسألة وقت لا أكثر، فالمؤشرات البيولوجية تؤكد أنه في حال استمرار أزمة الانفلات العددي للكلاب الضالة، ومواصلة تصفية وطرد القطط من الشوارع، فإن السد الطبيعي المانع قد ينهار تمامًا، ومن المتوقع علميًا وتجاريًا أن تشهد الفترة المقبلة زيادة في أعداد الفئران والعِرس، والتي لن تكتفي بتهديد المنازل والمناور مما ينتج عنه أنها ستتجه مباشرة لقضم وتدمير النباتات والمساحات الخضراء والمحاصيل بضواحي المدن، وندفع ثمن غياب الصياد الطبيعي الأكفأ في البيئة الحضرية وهي القطط. 

995.jpg

جبهة حقوق الحيوان ترد: "خرافة الإبادة البيولوجية".. وما يُنشر على السوشيال ميديا حوادث فردية

وفي المقابل، وتبنيًا لمبدأ "حق الرد" حملنا في "الدستور" هذه المؤشرات والمخاوف الميدانية إلى جبهة المدافعين عن حقوق الحيوان، إذ تبنت الناشطة البارزة في مجال الرفق بالحيوان، دينا ذو الفقار، وجهة نظر مغايرة تمامًا، داحضةً مفهوم أن الكلاب تتوحش على القطط وتدفعها إلى الاختفاء تدريجيًا بدافع القتل والخوف.

وأكدت "ذو الفقار" في تصريحها "للدستور" أن الطموح نحو بيئة شوارع آمنة لا يعني أبدًا اختلاق صراع بين الكائنات، موضحة أن الوضع الطبيعي والقائم بالفعل في الشارع المصري يؤكد أن القطط تعيش جنبًا إلى جنب إلى جوار الكلاب الضالة في البيئات المفتوحة والمربعات السكنية دون وجود أي مشكلات حقيقية أو صراعات بيولوجية ممتدة كما يروج البعض.

963.jpg

واستطردت الناشطة في حقوق الحيوان مسترسلة في تفنيدها للظاهرة أن ما يتم تداوله من مقاطع مرئية أو منشورات عبر منصات التواصل الاجتماعي لا يعبر عن ظاهرة عامة أو تحول سلوكي مخيف، بل هي مجرد حوادث فردية واستثنائية تقع في سياق تدافع الحيوانات على مصادر الطعام أو النفوذ المؤقت، وهو سلوك طبيعي في عالم الحيوان لا يمكن إسقاطه كحقيقة علمية ثابتة للحكم بوجود إبادة بيولوجية للقطط".

اختتمت "ذو الفقار" رؤيتها مشددة على أن الحل لا يكمن في الهجوم على فصيل حيواني لحساب الآخر، بل في دعم آليات التعقيم والتطعيم التي تضمن تحجيم الأعداد وتهذيب السلوك الغريزي للكلاب، مؤكدة أن الشارع المصري اتسع تاريخيًا لتعايش القطط والكلاب معًا كجزء من البيئة الحضرية دون إخلال بالتوازن البيئي.

القانون يقطع الطريق على المبادرات الوهمية وإرهاب السكان

في نقطة الفصل الفنية، شدد المحامي محمد "بركات" على أن القانون وضع سياجًا منيعًا لحماية التقارير الطبية، إذ يُقر بأن الهيئة العامة للخدمات البيطرية والأطباء البيطريين المختصين هم - دون غيره - الجهة الفنية والإدارية المخولة قانونًا بالتقييم الصحي للحالات والأمراض المشتركة والصحة العامة.

وأكد أنه لا يترتب قانونًا على أي حملات إلكترونية، أو ضغوط إعلامية، أو اعتراضات صادرة عن مجموعات الضغط المجتمعي والنشطاء، أي حجية قانونية أو علمية لإلغاء أو إسقاط أو الطعن في القرارات البيطرية الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة، موضحًا أن التوازن التشريعي في مصر واضح ومستقر، فهو يقوم على احترام الرفق بالحيوان في إطاره الإنساني، دون السماح بتغليب العواطف على حساب الأمن الصحي للمواطن وسيادة مؤسسات الدولة".

985.jfif

كما وضع "بركات" حدًا حاسمًا للممارسات والتهديدات التي يرتكبها بعض الأفراد باسم "الدفاع عن حقوق الحيوان"، موضحًا أن قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 ينظم هذا الشق بوضوح، فجمعيات الرفق بالحيوان المشهرة هي "جمعيات أهلية" تخضع بالكامل لإشراف الدولة، ولا يمنحها القانون—بأي حال من الأحوال—أي سلطة تنفيذية أو صفة ضبطية قضائية تسمح لها بفرض إرادتها في الشارع.

ويضيف المحامي محمد بركات قاطعًا الطريق أمام المبادرات الوهمية بقوله أنه لا تملك أي جمعية، أو أي صفحة على منصات التواصل الاجتماعي، أي سلطة لإجبار المواطنين على سلوك معين، أو فرض التزامات على السكان، أو منع أجهزة الدولة والجهات البيطرية من أداء مهامها الميدانية.

 أما فيما يخص مصطلح "ناشط حقوق حيوان"، فإن المشرّع المصري لا يعترف به كصفة قانونية أو ترخيص مهني أو وظيفة عامة، ولا يمنح صاحبه أي امتياز استثنائي، فالناشط يظل مواطنًا عاديًا أمام القانون، وتخضع أي أفعال تقع تحت طائلة الجريمة "كالتهديد، السب والقذف، نشر الأخبار الكاذبة، أو محاولات إرهاب السكان وعرقلة الموظفين العموميين أثناء أداء عملهم"لأحكام وقبضة قانون العقوبات المصري مباشرة.

مستشار وزير البيئة الأسبق يحذر: سيناريو "فئران غزة المتوحشة" يطرق أبوابنا بسبب الكلاب الضالة

من جانبه وصف حسام محرم، مستشار وزير البيئة الأسبق، ملف الكلاب الضالة بأنه بات يرقى إلى مستوى "الحرب البيولوجية الصامتة" التي تستوجب فورًا تدخل الأجهزة الأمنية المعنية بحماية الأمن القومي للبلاد.

وأوضح "محرم" أن السلوك العدواني للكلاب الضالة تحول إلى ظاهرة مريبة، مؤكدًا أنه قد بدأت أشكالها وسلالاتها تختلف وتتغير عن تلك الأشكال المألوفة تاريخيًا في مصر، ومحذرًا من أن هذا التغول يطرد القطط ويقضي على دورها الحاسم في "التوازن البيئي" ومكافحة القوارض.

وتابع أن غياب خطوط الدفاع البيولوجية الطبيعية وهي القطط يُنذر باستنزاف صحي وبيئي مرعب، ضاربًا المثل بما رأيناه مؤخرًا في قطاع غزة من حيث  كيف أفرز الاختلال البيئي المعقد ظهور سلالة غريبة من الفئران الضخمة والمتوحشة، باتت تهاجم الأطفال والنساء وتنهش الأجساد، مؤكدًا أننا لسنا ببعيدين عن هذه السيناريوهات الكارثية مالم يستيقظ المجتمع لإنهاء هذا الانفلات العددي للكلاب".

964.jfif

وأضاف مستشار وزير البيئة الأسبق، أن ظاهرة تجمعات الكلاب الضالة في الشوارع والمناطق السكنية تكاد تكون غائبة في معظم دول شمال وغرب أوروبا ودول الخليج العربي، مرجعًا ذلك إلى تطبيق منظومة رقابية وقانونية صارمة موضحًا أن هذه المنظومة تقوم على تسجيل الحيوانات الأليفة إلكترونيًا وربطها بمالكيها، وتجريم التخلي عنها أو تركها في الشوارع، إلى جانب حظر الإطعام العشوائي للحيوانات في الطرقات، وسرعة تعامل البلديات مع أي حيوان طليق عبر نقله إلى مراكز إيواء مخصصة، فضلًا عن وجود جهات متخصصة تتولى تطبيق القوانين المنظمة لحماية البيئة والصحة العامة ومتابعة ملف الحيوانات الضالة.

رئيس اتحاد حقوق الإنسان لـ"الدستور": حق المواطن في الحياة الآمنة مُقدّم تشريعيًا وبيولوجيًا على أي كائن

أمام هذا التشابك الميداني، فجّر رئيس الاتحاد المصري لحقوق الإنسان المستشار نجيب جبرائيل، مواجهة من نوع خاص، واضعًا الأزمة فوق طاولة المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية، ومؤكدًا لـ "الدستور" أن التوازن بين حق الإنسان في الحياة الآمنة وبين الرفق بالحيوان لا يعنى ترك الشوارع لـ "فوضى الانفلات العددي".

وتابع رئيس الاتحاد بقوله أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد بصورة قاطعة أن من حق المواطن على الدولة أن تحافظ على سلامة جسده، وبدنه، وممتلكاته، وتوفير بيئة نظيفة وغير ملوثه له، موضحًا أن مساوئ الكلاب الضالة لم تعد تقف عند حدود العقر المرعب، بل امتدت لتلوث الأماكن العامة، والبيئة وكذلك تدمير الممتلكات الخاصة كأجهزة السيارات، وهو أمر يستوجب تدخلًا فوريًا لحماية الأمن المجتمعي والبدء الفوري في تدشين ملاجئ ومستعمرات آمنة لتجميع تلك القطع الإقليمية".

999.jfif

وناشد جبرائيل جمعيات الرفق بالحيوان المشهرة قانونًا فقط في مصر أن تدرك حقيقةً لا تقبل المزايدة، وهي أن حق الإنسان في الحياة والآمان مقدم تاريخيًا، وتشريعيًا، وبيولوجيًا على أي حق آخر، وهو أصل راسخ ومستقر في كافة المواثيق الدولية والشرائع السماوية التي وضعت سلامة البشر في قمة أولوياتها قبل أي كائن آخر.

كما طالب رئيس الاتحاد بضرورة تصفية وتفكيك الهوية القانونية لمنصات الرفق بالحيوان، قائلًا إن الجمعيات الرسمية المعتمدة هي كيانات تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، ومشهّرة قانونًا وإداريًا، وتخضع من الناحية الفنية لإشراف الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وبالتالي لا يحق لأي جهة أو صفحة غير مشهرة قانونًا أن تتحدث باسم الرفق بالحيوان أو تحاول فرض واقعٍ موازٍ.