في ولاية تكساس الأمريكية عام 2013 لم يكن حادث الشاب «إيثان كاوتش» مجرد حادث قيادة مميت انتهى في محكمة، بل تحول إلى واحدة من أكثر القضايا إزعاجا للضمير العام في أمريكا، لأن الناس لم تر فيه فقط فتى قاصرا قاد سيارة وتسبب في مقتل أربعة أشخاص وإصابة آخرين، بل رأت فيه صورة كاملة لابن الثراء الذي نشأ مدللا حتى فقد الإحساس بالعواقب.

دخلت القضية التاريخ الاجتماعي من باب عبارة صارت شهيرة وقتها، «الثراء المرضي»، وهي الفكرة التي استخدمها الدفاع ليقول إن الفتى لم يتعلم من أسرته معنى الحدود ولا معنى المسؤولية، لأن المال والرفاهية والحماية الزائدة صنعت حوله عالما لا يعرف فيه أن للخطأ ثمنا، ولا أن أرواح الآخرين ليست امتدادا لامتيازاته الشخصية.
من هنا لم يعد كاوتش متهما وحده، بل صار طبقة كاملة في قفص الاتهام، سيارته وبيته وأبواه ومدرسته وطريقة حياته، كل شيء تحول إلى دليل عند الغاضبين على أن العدالة قد تنحني أمام المال، وأن الفقراء يموتون بينما يجد أبناء الامتيازات مخرجا من العقاب.

استدعاء هذه القصة لا يعني أبدا تشبيه «جودي» بإيثان، ولا نسخ حادث أمريكي على واقعة مصرية ما زالت بين يدي التحقيق والقانون، لكنه يعني أن المجتمعات في أوقات الأزمات قد تميل إلى تحويل الجريمة من فعل محدد إلى رمز طبقي شامل، وحين يطول إحساس الناس بالتمييز يصبح كل حادث مرآة لغضب أقدم وأعمق من تفاصيله.
في واقعة «هدير» المعروفة إعلاميا بقضية بائعة الشاي، نحن أمام مأساة إنسانية كاملة قبل أن نكون أمام نقاش طبقي، شابة كانت في موضع رزقها بجوار عربة مشروبات في حدائق الأهرام، ثم انتهت حياتها في حادث سيارة، وأصيبت أخرى، ووجد قاصران وأب في دائرة الاتهام والتحقيق، بين قيادة دون ترخيص، وتمكين من القيادة، وتسبب في الوفاة، وتعريض طفل للخطر.
حق «هدير» لا يجوز أن يذوب في أي خطاب هادئ عن الرحمة، ولا أن يضعف أمام دعوة الاتزان، لأن امرأة خرجت إلى عملها ولم تعد، وأسرة فقدت ابنتها، ومجتمعا رأى في الحادث صورة موجعة لاستهتار لا يمكن التسامح معه حين تكون النتيجة حياة إنسان.
لكن حق «هدير» نفسه لا يحتاج إلى كراهية طبقية كي ينتصر، ولا يحتاج إلى تحويل جودي إلى وحش كامل، ولا إلى اختصار قاصرة في صورة أو حركة أو لحظة مرتبكة أو تصرف مستفز، ولا إلى تعليق كل غضب الناس من النوادي والسيارات والمدارس الخاصة والامتيازات على رقبة فتاة لم تقل المحكمة بعد كلمتها النهائية فيها.
المأساة أن مصر بدأت في السنوات الأخيرة تدخل أحيانا في خصومة عصبية مع الطبقات بلا معنى عادل، فكل صاحب سيارة صار في نظر البعض متهما بالقسوة، وكل ابن أسرة ميسورة صار مدانا قبل التحقيق، وكل ضحية من طبقة شعبية صارت شاهدا جديدا على حرب اجتماعية لا تنتهي.
هذا المزاج خطر، لأنه يخلط بين رفض النفوذ وكره الناس بسبب شكل حياتهم، وبين المطالبة بالعدالة والرغبة في الانتقام، وبين محاسبة الفعل ومحاكمة الأصل الاجتماعي، وبين حماية الفقراء وتحويل الغنى نفسه إلى جريمة أخلاقية.
هناك مشكلة حقيقية في مصر مع الامتياز، وهناك شعور متراكم بأن بعض الأسماء والعلاقات والمكالمات تستطيع أن تفتح أبوابا لا تفتح لغيرها، وهناك غضب مفهوم من ثقافة ترى أن المال يمنح صاحبه مساحة أوسع للخطأ، لكن مواجهة هذه المشكلة لا تكون بتحويل كل حادث إلى معركة بين طبقة وطبقة، ولا بتصوير الفقير دائما ملاكا، والغني دائما شيطانا.
القضية في جوهرها ليست أن جودي تنتمي إلى طبقة بعينها، بل أن سيارة وصلت إلى يد قاصرين لا يملكان حق قيادتها، وأن هناك تهاونا أسريا واجتماعيا في التعامل مع مفاتيح السيارات، وأن الطريق العام صار أحيانا مكانا للتجربة والاستعراض والتعلم العشوائي، وأن حياة الناس في الشارع قد تصبح تحت رحمة لحظة طيش واحدة.
القضية أيضا أن الأب أو ولي الأمر الذي يسمح لقاصر بأن يقترب من عجلة القيادة يتحمل مسؤولية ثقيلة، لأن السيارة ليست هدية ولا لعبة ولا علامة وجاهة اجتماعية، بل آلة خطيرة متى خرجت من يد المسؤولية صارت احتمالا مفتوحا للفاجعة.
ارحموا جودي لا تعني اتركوا حق هدير، بل تعني اتركوا القانون يعمل بلا صراخ وبلا ابتزاز وبلا انتقام، ارحموا قاصرة من السحل الإلكتروني، ومن تحويلها إلى عنوان لكل ما نكرهه في الأغنياء، ومن دفن مستقبلها قبل أن يكتمل التحقيق وتصدر الأحكام، وفي المقابل لا ترحموا الخطأ من الحساب، ولا ترحموا الاستهتار من العقوبة.
هدير تحتاج إلى عدالة قوية لا إلى موجة غضب عابرة، تحتاج إلى تحقيق كامل، ومحاكمة عادلة، وعقوبة تناسب الفعل والمسؤوليات، ورسالة واضحة تقول إن حياة الناس ليست أقل قيمة من نزوة مراهق أو مجاملة أب أو شعور زائف بالحصانة.
وجودي أيضا تحتاج إلى محاكمة عادلة لا إلى ذبح معنوي، لأن القاصر يحاسب وفق القانون لا وفق غضب الجماهير، ولأن المجتمع الذي يحمي حق الضحية يجب أن يحمي أيضا معنى العدالة من التحول إلى ثأر جماعي.


