تعد سيناء القلب النابض للأمن القومى المصرى، والبوابة الشرقية التى لطالما كانت هدفًا للقوى الساعية لزعزعة استقرار الدولة. وعلى مدى العقد الماضى خاضت الدولة المصرية معركة وجودية ضد قوى التطرف والإرهاب بقيادة جماعة الإخوان التى حاولت اتخاذ من سيناء ملاذًا للعمليات التخريبية.
اليوم، وبعد نجاح المؤسسة العسكرية والأمنية فى دحر هذه التنظيمات، انتقلت سيناء إلى مرحلة تاريخية فارقة، حيث تحولت الرؤية الاستراتيجية من مجرد تطهير أمنى إلى تنمية شاملة ومستدامة، لتصبح سيناء قاطرة الاقتصاد المصرى ومستقبلًا للأجيال القادمة.
لم تكن الحرب على الإرهاب فى سيناء مجرد عمليات عسكرية تقليدية، بل كانت معركة استخباراتية ولوجستية معقدة. اعتمدت الاستراتيجية المصرية على ثلاثة محاور متوازنة، ونجحت القوات المسلحة فى تضييق الخناق على البؤر الإرهابية من خلال عمليات نوعية دقيقة، استهدفت مراكز التموين والتدريب والتمركز. وتم تدمير الأنفاق التى كانت تستخدم لتهريب الأسلحة والعناصر الإرهابية، ما أدى إلى عزل هذه الجماعات عن محيطها الخارجى.
وقد أدركت القيادة السياسية مبكرًا أن الانتصار على الإرهاب لا يكتمل إلا بوجود حاضنة شعبية قوية. لقد كان تعاون قبائل سيناء مع القوات المسلحة حجر الزاوية فى كشف الخلايا النائمة وتأمين الحدود، ما عكس تلاحمًا وطنيًا فريدًا بين الدولة وأبناء سيناء الذين دفعوا أثمانًا غالية فى سبيل الحفاظ على أمنهم وأرضهم. وبالتوازى مع المواجهة الأمنية، عملت الدولة على محاصرة الفكر المتطرف عبر تعزيز دور المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية، وإعادة بناء الوعى، مع التركيز على دمج أهالى سيناء فى نسيج الدولة الوطنى بشكل كامل، وإزالة الشعور بالعزلة الذى استغله الإرهاب لسنوات طويلة.
ولقد أثبتت التجربة أن التنمية هى خير وسيلة لمكافحة الإرهاب، فالمكان الذى يزدهر بالاستثمار والعمل لا يجد الإرهاب فيه موطئ قدم. ولذلك أطلقت الدولة المصرية خطة طموحة وغير مسبوقة لربط سيناء بالوادى عبر شبكة من الأنفاق والكبارى والجسور التى تعد معجزات هندسية بكل المقاييس.
إن إنشاء أنفاق قناة السويس «تحيا مصر» و«الشهيد أحمد حمدى» لم يكن مجرد مشاريع بنية تحتية، بل كان قرارًا سياديًا لإنهاء عزلة سيناء التاريخية. واليوم يمكن للمواطن والبضائع الوصول إلى عمق سيناء فى ساعات معدودة، ما شجع على تدفق الاستثمارات وحركة العمالة، وأحيا المدن الجديدة، مثل مدينة الإسماعيلية الجديدة ومدينة رفح الجديدة.
وتعمل الدولة على تحويل سيناء إلى مركز لوجستى عالمى من خلال تطوير الموانئ، ويأتى فى مقدمتها ميناء شرق بورسعيد، الذى أصبح أحد أهم الموانئ المحورية فى حوض المتوسط، ما يخدم حركة التجارة العالمية ويعزز من قيمة سيناء الجيواقتصادية. كما تم إنشاء مجمعات صناعية متكاملة تعتمد على الموارد الطبيعية المتوافرة فى سيناء، مثل الرمال السوداء، والرخام، والثروات التعدينية، ما يوفر آلاف فرص العمل للشباب السيناوى. وتعد محطة «بحر البقر» لمعالجة المياه من أكبر المحطات فى العالم، حيث تسهم فى رى مئات الآلاف من الأفدنة، ما يجعل من سيناء «سلة غذاء» واعدة تسهم فى تحقيق الاكتفاء الذاتى.
إن ما يحدث فى سيناء اليوم هو إعادة صياغة للعقد الاجتماعى بين الدولة والمواطن السيناوى. والتنمية لم تقتصر على الحجر، بل امتدت للبشر، من خلال التوسع فى إنشاء الجامعات، مثل جامعة الملك سلمان والمدارس الفنية والمستشفيات المتطورة، لضمان أن يكون المواطن السيناوى المستفيد الأول، وشريكًا أصيلًا فى التنمية.
كما أن الاستقرار الذى نلمسه اليوم فى شمال ووسط وجنوب سيناء هو نتاج دماء طاهرة وتضحيات عظيمة من رجال القوات المسلحة والشرطة. ولكن هذا الاستقرار لا يكتمل إلا بالحفاظ على وتيرة التنمية، واليقظة المستمرة ضد أى محاولات خارجية للعبث بالأمن الإقليمى.
إن سيناء اليوم ليست مجرد أرض محررة، بل عنوان لنجاح الدولة المصرية فى إدارة أصعب التحديات وتحويل التهديد إلى فرصة. إن قصة سيناء هى اختزال لقصة مصر فى الجمهورية الجديدة؛ بلد لا ينحنى أمام الإرهاب، بل يواجهه بالقوة، ثم يتبعه بالبناء والتعمير.
إن التنمية الشاملة فى سيناء هى الحصن الأخير الذى يحمى البلاد من أى مخاطر مستقبلية، وهى الرسالة الأقوى للعالم بأن مصر ماضية فى طريقها نحو مستقبل مشرق، حيث تصبح سيناء جسرًا يربط قارات العالم، ومركزًا للصناعة والتجارة، ووطنًا آمنًا لكل من يعيش على أرضه.
لقد دفعت سيناء ضريبة الدم، واليوم تجنى ثمار السلام والتنمية، لتؤكد للعالم أجمع أن الإرادة المصرية قادرة على هزيمة المستحيل، وأن سيناء ستبقى دائمًا درع مصر وسيفها، وأرضًا للخير والنماء.
وللحديث بقية.



