في السياسة الدولية لا تُقاس الانتصارات بالشعارات ولا بالمؤتمرات الصحفية، بل بما يخرج به كل طرف من المكاسب والتنازلات، ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الأخيرة أقرب إلى وثيقة إنقاذ سياسي للإدارة الأمريكية منها إلى اتفاق يكرّس تفوق واشنطن أو يحقق أهدافها المعلنة.
فبعد أشهر من التصعيد والتهديد واستخدام القوة العسكرية، كانت الإدارة الأمريكية تتحدث عن تغيير السلوك الإيراني وإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها الحساسة، لكن المذكرة الذي جرى تداولها توحي بصورة معاكسة تمامًا؛ إذ تظهر الولايات المتحدة وكأنها الطرف الأكثر استعجالًا للوصول إلى اتفاق، بينما تبدو إيران وكأنها نجحت في تحويل صمودها إلى مكاسب سياسية واقتصادية ضخمة.
فالمذكرة، بحسب ما أُعلن عنها، تتضمن الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، وإنشاء صندوق ضخم لإعادة الإعمار، ورفع القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، فضلًا عن مسار يؤدي إلى إنهاء العقوبات تدريجيًا، وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل تمثل جوهر الصراع الاقتصادي الذي خاضته واشنطن ضد طهران طوال سنوات.
في المقابل، تبدو الالتزامات الإيرانية محدودة ومؤجلة في القضايا الأكثر حساسية، فالبرنامج النووي لم يُحسم، والتخصيب لم يُعالج بصورة مباشرة، فيما غابت المنظومة الصاروخية الإيرانية بالكامل عن بنود المذكرة، أما التعهد بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي فهو موقف أعلنت عنه إيران مرارًا في السابق، ولا يشكل بحد ذاته تنازلًا جديدًا يوازي حجم المكاسب التي حصلت عليها.
هذه المعادلة تفسر حالة التململ المتزايدة داخل الولايات المتحدة نفسها، فالاعتراضات لم تعد مقتصرة على خصوم ترامب الديمقراطيين، بل امتدت إلى شخصيات ودوائر محسوبة على المعسكر الجمهوري وتيار "ماغا" الذي شكّل أحد أهم مصادر قوته السياسية. فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: إذا كانت النتيجة النهائية هي رفع الضغوط الاقتصادية وتأجيل الملفات الخلافية الكبرى، فما الذي حققته سياسة التصعيد أصلًا؟ وهل انتهت المواجهة بمنح إيران ما كانت تطالب به منذ البداية بعد أن فشلت الضغوط العسكرية في فرض شروط مختلفة؟.
أما إسرائيل، فتبدو الطرف الأكثر انزعاجًا من هذا التحول، فتل أبيب بنت جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها الإقليمية على مبدأ إبقاء إيران تحت أقصى درجات الضغط والعزلة، لكنها تجد نفسها اليوم أمام مقاربة أمريكية أكثر براغماتية تقوم على إدارة الصراع لا حسمه، وعلى التوازن لا الإملاء.
ولهذا لا يبدو مستغربًا أن يتحرك بنيامين نتنياهو، لتخريب هذا الاتفاق، في اتجاهين متوازيين: الأول سياسي، عبر عبر تنشيط شبكات الضغط واللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة للتأثير على دوائر صنع القرار، والثاني ميداني، عبر مواصلة العمليات العسكرية في لبنان، وتُجسّد تصريحات نتنياهو الأخيرة بشأن ضرورة الإبقاء على "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان وعدم الانسحاب منها ما دامت المتطلبات الأمنية الإسرائيلية قائمة، رفضًا عمليًا لأي تفاهمات من شأنها تقييد حرية التحرك العسكري الإسرائيلي.
غير أن المفارقة الأكبر تكمن في أن إيران نفسها لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره مكسبًا مضمونًا، فقد سارعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى التحذير من أن المذكرة قد تنهار إذا لم تلتزم واشنطن بتنفيذ تعهداتها سريعًا، مؤكدة أن البند المتعلق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان يمثل حجر الأساس في الاتفاق بأكمله، وهذا يكشف أن الثقة بين الطرفين لا تزال هشة وأن احتمالات الفشل ما زالت قائمة.
لكن إذا صحّت البنود المتداولة ونُفذت كما هي، فإن السؤال سيبقى مطروحًا بقوة: هل حققت واشنطن إنجازًا دبلوماسيًا حقيقيًا، أم أنها انتهت إلى تقديم تنازلات واسعة للحصول على اتفاق يمكن تسويقه سياسيًا باعتباره انتصارًا؟.
بالنسبة إلى كثير من المنتقدين، تبدو الإجابة واضحة: ما عجزت الضغوط عن انتزاعه، منحته المفاوضات لإيران مقابل التزامات لا ترقى إلى حجم المكاسب التي حصلت عليها.




