"الطيران لا يختصر المسافات فقط، بل يغير طريقة رؤيتنا للأشياء التي تبدو عادية على الأرض، تصبح من السماء آيات لا تنتهي".. هكذا روى لي أحد الطيارين على طائرات النقل العسكرية في أحد معارض الطيران الشهيرة.
قبل أن أقلع أول مرة على متن طائرة نقل عسكرية، لم أكن أعرف أن الرحلات لا تغيّر الأماكن وحدها، إنما تغيّر البشر أيضًا، فلم أكن أعرف أن نافذة صغيرة في "بدن طائرة"، وصوت محركات لا يهدأ، ورجالا لا يتحدثون كثيرا، يمكن أن يتركوا كل هذا الأثر في الروح، لهذا عند كل مهمة أو مأمورية أو وجهة في عملي، كنت دائمًا أبحث عن النافذة.

لا أذكر عدد الرحلات التي قضيتها على متن «سي 130» الأمريكية، «الإليوشن» الروسية، أو «الكاسا» الإسبانية، ولا عدد القواعد الجوية التي أقلعت منها أو هبطت فيها، لكنني أتذكر جيدًا ذلك الإحساس الذي كان يراودني كلما وضعت قدمي على السلم المعدني الأمامي، بجوار قمرة القيادة.
في تلك اللحظة، كنت أشعر بأني لا أصعد إلى طائرة فحسب، وإنما أدخل إلى عالم آخر، عالم له قواعده، وله لغته، وله رجاله، وله أيضا شيء خاص جدًا، لم أجد له اسمًا أفضل من: «أدب الحياة على متن طائرة عسكرية».
في الطائرات العسكرية، حتى الصعود له هيبته، لا يوجد ازدحام ولا استعجال، ولا حقائب تتصارع على أماكنها، ولا أصوات كثيرة. كل شيء يسير بهدوء، وكأن الجميع يعرف دوره دون حاجة إلى شرح.
مع مرور الوقت، تعلمت أن هناك قواعد لا تُكتب في كتيبات، لكنها جزء من روح المكان، لا تتحرك داخل الطائرة إلا إذا استدعت الضرورة، لا تعبث بأي شيء حولك، استمع جيدا لتعليمات الطاقم، وحين تنتهي الرحلة، لا يغادر أحد مكانه قبل نزول قائد الطائرة، كانت تلك القاعدة تحمل شيئا من الهيبة، فالرجل الذي أمضى ساعات طويلة داخل قمرة القيادة، يتابع الممرات الجوية، ويقود الطلعة الجوية، ويتحمل مسؤولية الجميع، هو آخر من يفكر في نفسه، وربما لهذا شعرت دائما أن قائد الطائرة أكثر من مجرد طيار، بل ربان عالم كامل يتحرك فوق السحاب.
الفرق بين الطيران المدني والعسكري يشبه الفرق بين فندق وغرفة عمليات، في الأول، تكون الرحلة وسيلة للوصول، وفي الثاني تكون الرحلة نفسها جزءًا من المهمة. هنا تسمع كلمات مثل الحمولة، والجاهزية، والتشكيل، والممر الجوي، ومنطقة الإسقاط، وساحة الهبوط، والطاقم، وقمرة القيادة، مصطلحات لا يعرفها كثيرون، لكنها بالنسبة للعسكريين تفاصيل يومية لا تتوقف.
ورغم كل ذلك، بقيت النافذة هي بطلة الحكاية.

كنت أتشبث بها كما يتشبث طفل بلعبته المفضلة، أحيانا كنت أتعمد الوصول مبكرا حتى أحصل على المقعد المجاور لها، فمن هناك يبدأ العالم في اكتساب معنى آخر.
في إحدى الرحلات، كنا في مهمة لإسقاط مساعدات إنسانية جوًا فوق خان يونس بقطاع غزة، داخل الطائرة كان الجميع منشغلين بالإجراءات، وبمنطقة الإسقاط، وبالتجهيزات الأخيرة.
أما أنا، فكنت مشغولًا بشيء آخر، بحر غزة.
من نافذة الطائرة، بدا البحر شديد الزرقة، هادئا بصورة تناقض كل ما يدور على الأرض، وفي تلك اللحظة، أدركت أن للمياه لغة خاصة، وأن الله حين خلق الأنهار والبحار، أودع فيها شيئا من السكينة.

وفي الرحلات الداخلية، كان النيل دائما أول من يلفت انتباهي، ذلك الشريط الأزرق الممتد وسط حياة المصريين، فكلما رأيته من الأعلى، شعرت أن المصريين لا يعيشون حول النيل، بل يعيش النيل داخلهم، ومن السماء تبدو المعجزة أوضح، خاصة في الرحلات الحدودية سواء إلى توشكى أو العوينات أو حتى إلى الشلاتين، حيث تأتي الصحراء، صحراء بلا نهاية، لكن أكثر ما كان يدهشني هو ذلك اللون الأخضر الذي يظهر فجأة، على هيئة حقول جديدة، طرق ممتدة، مشروعات تنموية، ومدن تولد من الرمال.

ومن هذا الارتفاع، تفهم أن التنمية لا تبدو من الأعلى مجرد أخبار في الصحف، إنما معركة أخرى خاضتها مصر بالصبر، مثلما تخاض المعارك بالسلاح.
أما القاهرة، فلها حكاية مختلفة، خصوصا حين تراها ليلا، تبدو بحرا من الأنوار، مدينة لا تنام وشوارعها تشبه الشرايين المضيئة، وعندها أتذكر جملة عادل إمام التي أحببتها دائما: «اللى يشوفها من فوق غير اللى يشوفها من تحت» وكان محقًا، فالقاهرة من السماء تبدو كأنها قلب مصر كله.
وفي الرحلات القريبة من الحدود، تظهر المدقات، والدشم، والكتائب، ونقاط التموضع، وساحات التدريب، ومهابط الطائرات، ومن الأعلى تبدو العربات صغيرة جدا، لكنك تعرف أن خلف هذه التفاصيل رجالٌ يقفون في أماكن لا يراها أحد، رجالًا يعيشون بين الجبال.
وربما لهذا، كنت أتساءل دائمًا: كم من القصص تسكن تلك القمم؟
داخل الطائرة، للحياة مذاق خاص، إضاءة خافتة، برودة شديدة، وأصوات محركات لا تهدأ، فمهما استخدمت من سماعات، يبقى للأزيز حضوره الخاص، لكن الغريب أن هذا الصوت يتحول مع الوقت إلى ذكرى جميلة، إلى موسيقى خاصة لا يسمعها إلا من عاشها، تلك الأجواء تذكرني دائما بمشهد الضوء الأحمر في فيلم "Black Hawk Down"، الرجال الجالسون في صمت، الوجوه الهادئة، والإحساس بأن الجميع يعرف مهمته، فلا أحد يتحدث كثيرًا، لكن الجميع مستعد.

وفي فيلم "13 Hours"، أحببت دائمًا تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان أن باب الطائرة حين يغلق، فإنه يترك العالم كله خارجه، ذلك الإحساس نفسه كنت أشعر به، وكأننا ننتقل من عالم الحياة العادية، إلى عالم تحكمه المهمة والثقة والانضباط.
أما الشينوك، فلها حكاية مختلفة صوتها وحده عالم كامل
صوتها وحده عالم كامل، وحين تهبط منها والمراوح لا تزال تدور، تشعر أن الهواء نفسه يدفعك إلى الخلف، فصوتها يبتلع كل الأصوات، لكن بعد سنوات، يصبح هذا الصوت جزءا من الحنين، والغريب أن أكثر الطائرات راحة لم تكن تلك المخصصة للزيارات المهمة، بل طائرات النقل التي تخلو من المقاعد التقليدية، حيث يمكنك أن تجعل حقيبتك وسادة، أن تتمدد قليلا، وأن تنام على صوت المحركات، وأن تستيقظ على إعلان الاستعداد للهبوط، وربما كان أجمل ما في الطيران العسكري، هو الإحساس بالثقة، أن تنام بينما يجلس في المقدمة رجل لا تراه، رجل يحمل على كتفيه أرواح الجميع.

في الطيران المدني، يكون قائد الطائرة مجرد صوت يأتي من مكبرات الصوت، أما في الطائرات العسكرية، فالقائد جزء من روح الرحلة، وربما لهذا كان الجميع ينتظرون نزوله أولًا، وكأن الطائرة لا تنتهي مهمتها إلا حين يضع هو قدمه على الأرض.
وبالرغم من أنه في بلاد كثيرة، يرتبط صوت الطائرات بالخوف، لكن مصر مختلفة، وربما تكون البلد الوحيدة التي يفرح أهلها حين يسمعون صوت الطائرات، الأطفال يخرجون إلى الشرفات والناس يرفعون رؤوسهم نحو السماء لا يختبئون، إنما يرفعون رؤوسهم نحو السماء مطمئنين، فصوت الطائرات هنا لا يحمل نذير حرب، إنما يحمل طمأنينة نسور تحرس السماء.
كثيرا ما سألني البعض:
لماذا اخترت أن أكون محررا عسكريا؟ ولماذا هذا العالم تحديدا؟
والحقيقة لم أحب السلاح بقدر ما أحببت البشر، أحببت الطيار الذي يسهر داخل قمرة القيادة، والمهندس الذي يقضي ليلته تحت جناح طائرة حتى تصبح جاهزة للإقلاع، والجندي الذي يعيش فوق جبل بعيد، لا يعرف الناس اسمه، لكنه يعرف جيدًا لماذا يقف هناك.
كنت أبحث عن الحكايات، عن الرجال الذين لا يظهرون في الصور، عن القصص التي لا تُكتب في البيانات الرسمية، ولهذا، ربما كنت دائمًا أختار النافذة، فالسماء تمنح الإنسان عينًا أخرى، وكلما ارتفع، اتسعت رؤيته، وكلما نظر إلى مدينته من الأعلى، أدرك كم تبدو جميلة، وحين تنتهي الرحلة، ويبدأ الجميع في الاستعداد للنزول، أبقى كما اعتدت دائما، أنتظر.

لا أحد يتحرك، القاعدة واضحة، ينزل قائد الطائرة أولا، ثم يبدأ الجميع في المغادرة، وأهبط السلم المعدني نفسه، بجوار قمرة القيادة، أنظر إلى الطائرة للحظة، وأبتسم.
أفكر دائما في شيء واحد، الإنسان الذي يصعد طائرة عسكرية لأول مرة، لا يعود هو نفسه بعد سنوات، فبعض الناس يتعرفون إلى أوطانهم عبر الخرائط، وآخرون يقرؤونها في الكتب.
أما أنا، فقد تعلمت أن أحب مصر من نافذة صغيرة في بدن طائرة عسكرية، ومن هدير محركاتها وهي تشق السماء، ومن رجال صامتين علّموني، دون أن يقصدوا، شيئا من أدب الحياة على متن طائرة عسكرية.



