يواصل الفنان أحمد داود ترسيخ مكانته كواحد من أبرز نجوم جيله الذين نجحوا فى الجمع بين الحضور الجماهيرى والرهان على التنوع الفنى، إذ استطاع، خلال السنوات الأخيرة، أن يقدّم أعمالًا مختلفة تجمع بين الرومانسية والدراما والكوميديا، معتمدًا على اختيارات مدروسة تضع القيمة الإنسانية فى مقدمة أولوياته.
وفى الوقت الذى يخوض فيه المنافسة السينمائية بفيلمين مختلفين تمامًا هما «إذما»، و«الكراش»، يفتح أحمد داود قلبه لـ«الدستور» فى حوار خاص تحدث خلاله عن تفاصيل العملين، ورؤيته للمنافسة وأسباب انجذابه إلى الشخصيات القريبة من الناس، كما كشف عن كواليس الفيلمين وغير ذلك من تفاصيل حياته الفنية.
■ فى البداية.. كيف تنظر إلى المرحلة الفنية التى تعيشها حاليًا بعد نجاحات متتالية فى السينما والدراما؟
- أشعر بأننى أعيش مرحلة مهمة جدًا على المستوى الفنى، لأننى أصبحت أكثر وعيًا بالاختيارات التى أقدمها، وأكثر حرصًا على أن يكون لكل عمل سبب حقيقى يدفعنى لتقديمه.
فى بداياتى كنت أبحث عن إثبات نفسى وتقديم أدوار مختلفة، لكن مع الوقت أصبحت أركز أكثر على القيمة التى يضيفها العمل لمسيرتى، وعلى التأثير الذى يمكن أن يتركه لدى الجمهور، لذلك أحاول دائمًا أن أوازن بين الأعمال الجماهيرية والأعمال التى تحمل أبعادًا إنسانية أو فكرية مختلفة.
■ هل ترى أنك نجحت فى تحقيق هذا التوازن؟
- إلى حد كبير نعم، لأننى لم أحب يومًا فكرة التكرار أو الاعتماد على منطقة آمنة. أحب أن أجرّب وأغامر، حتى لو كانت المغامرة صعبة أحيانًا. أشعر بأن الفنان الحقيقى يجب أن يكتشف نفسه باستمرار، وأن يقدم شخصيات متنوعة تحمل تحديات مختلفة. لهذا السبب تجدنى أتنقل بين الرومانسية والكوميديا والدراما النفسية والاجتماعية، لأننى أؤمن بأن التنوع هو ما يمنح الفنان عمرًا أطول وحضورًا أقوى.
■ ما الذى جذبك إلى سيناريو فيلم «إذما» منذ اللحظة الأولى؟
- أول شىء جذبنى الفكرة نفسها، لأنها ليست فكرة تقليدية على الإطلاق. الفيلم يناقش فكرة الزمن والأحلام القديمة والرسائل التى يتركها الإنسان لنفسه فى المستقبل، وهذا الموضوع يحمل قدرًا كبيرًا من التأمل. عندما قرأت السيناريو شعرت بأن العمل يطرح أسئلة إنسانية عميقة جدًا، مثل: ماذا لو عاد بك الزمن هل كنت ستختار نفس الطريق؟ وهل حققت فعلًا ما كنت تحلم به وأنت أصغر سنًا؟ هذه النوعية من الأسئلة تلمس أى إنسان، لذلك شعرت بارتباط قوى جدًا بالمشروع.
■ هل قرأت الرواية قبل المشاركة فى الفيلم؟
- بصراحة لم أكن قد قرأتها قبل ترشيحى للفيلم، لكن بعد قراءة السيناريو بدأت أتعرف أكثر على الرواية، وفوجئت بحجم جمهورها وتأثيرها الكبير بين القراء. هذا الأمر جعلنى أشعر بمسئولية أكبر، لأن تحويل رواية ناجحة إلى فيلم سينمائى ليس أمرًا سهلًا. جمهور الرواية يكون لديه دائمًا صورة خاصة للأحداث والشخصيات، لذلك كنت حريصًا جدًا على أن يخرج العمل بصورة ترضى محبى الرواية وفى الوقت نفسه تقدم تجربة سينمائية ممتعة.
■ هل شعرت بالخوف من المقارنة بين الرواية والفيلم؟
- طبيعى جدًا أن يكون هناك نوع من القلق، لأن أى عمل مقتبس من رواية ناجحة يواجه تحدى المقارنة، لكننى كنت أؤمن بأن السينما لها أدواتها المختلفة. المهم بالنسبة لنا كان الحفاظ على روح العمل والمشاعر الأساسية التى أحبها الجمهور فى الرواية، مع تقديم معالجة سينمائية تناسب الشاشة الكبيرة.
■ الفيلم يناقش فكرة الأحلام والفرص الضائعة.. هل جعلك ذلك تراجع حياتك الشخصية؟
- بالتأكيد. أثناء التصوير كنت أفكر كثيرًا فى أحلامى القديمة وفى الأشياء التى كنت أتمنى تحقيقها عندما كنت أصغر سنًا. فكرة أن الإنسان يواجه نفسه بعد سنوات فكرة مؤثرة جدًا. أحيانًا نكتشف أننا انشغلنا بأشياء كثيرة ونسينا أحلامًا كانت مهمة بالنسبة لنا. لذلك أعتقد أن «إذما» ليس مجرد فيلم، بل تجربة تجعل المُشاهد يُعيد التفكير فى حياته وعلاقته بالماضى.
■ كيف ترى استقبال الجمهور للفيلم حتى الآن؟
- سعيد جدًا بردود الأفعال، خاصة أن الجمهور تفاعل مع الفكرة بشكل كبير. كنت متفائلًا بالفيلم منذ البداية، لكننى لم أتوقع حجم الارتباط العاطفى الذى سيحدث بين الجمهور والعمل. الناس بدأت تتحدث عن أحلامها القديمة وعن القرارات التى غيّرت حياتها، وهذا بالنسبة لى أهم من أى شىء آخر، لأن الفن الحقيقى هو الذى يترك أثرًا داخل الناس.
■ الفيلم حقق نجاحًا ملحوظًا فى شباك التذاكر أيضًا.. كيف استقبلت ذلك؟
- بالطبع سعيد جدًا، لأن النجاح الجماهيرى مهم لأى فنان، لكنه ليس الشىء الوحيد الذى يشغلنى. ما يسعدنى أكثر أن الفيلم نجح فنيًا وإنسانيًا أيضًا. أشعر بأن «إذما» تجربة مختلفة ومهمة بالنسبة لى، سواء على مستوى الأداء أو الفكرة.
■ البعض تحدث عن منافسة بين «إذما» و«الكراش» بسبب عرضهما فى فترة متقاربة.. كيف ترى الأمر؟
- لا أحب فكرة المنافسة بهذا الشكل، لأن كل فيلم له طبيعته وجمهوره المختلف. «إذما» ينتمى إلى منطقة إنسانية وتأملية تميل إلى النوستالجيا، بينما «الكراش» فيلم رومانسى كوميدى خفيف يعتمد على الأجواء الصيفية والمواقف اليومية. لذلك لا أرى أن هناك منافسة حقيقية بينهما، بل بالعكس أشعر بأن وجود أعمال متنوعة فى الموسم نفسه أمر صحى جدًا للسينما.
■ ماذا عن فيلم «الكراش» والشخصية التى تقدمها خلال الأحداث؟
- أقدم شخصية محاسب بسيط يعيش حياة هادئة ومستقرة إلى حد كبير، قبل أن يدخل بالصدفة إلى عالم مختلف تمامًا بعد تعرفه على سيدة أعمال ناجحة. من هنا تبدأ المفارقات والمواقف الكوميدية، لكن خلف هذه الكوميديا توجد تفاصيل إنسانية كثيرة جدًا تتعلق بالأحلام والفوارق الاجتماعية والعاطفية.
■ ما الذى جذبك إلى هذه الشخصية تحديدًا؟
- أحببت قربها من الناس. أشعر بأن كثيرًا من الشباب يمكن أن يروا أنفسهم فى هذه الشخصية، لأنها تحمل أحلامًا بسيطة وصراعات واقعية. كما أن الفيلم لا يقدم قصة حب تقليدية، بل يناقش فكرة الاختلاف بين العوالم الاجتماعية وكيف يمكن للمشاعر الحقيقية أن تتجاوز هذه الحواجز.
■ هل ترى أن الجمهور أصبح أكثر ميلًا للأعمال الرومانسية الخفيفة؟
- الجمهور دائمًا يحب الأعمال الصادقة والقريبة منه، سواء كانت كوميدية أو رومانسية أو دراما. أعتقد أن الناس تحتاج أحيانًا إلى أفلام تمنحها طاقة إيجابية، ومشاعر دافئة، و«الكراش» يقدم هذه الحالة بشكل بسيط وخفيف دون تعقيد.
■ كيف كانت كواليس التعاون مع ميرنا جميل؟
- سعيد جدًا بالتعاون معها، لأنها ممثلة موهوبة وخفيفة جدًا أمام الكاميرا. كانت هناك حالة من التفاهم والكيميا بيننا منذ البداية، وهذا انعكس على المشاهد بشكل واضح. الفيلم يعتمد بشكل كبير على العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين، لذلك كان مهمًا أن يكون هناك انسجام حقيقى بيننا.
■ هل أضافت البطولة الجماعية للفيلم؟
- بالتأكيد. أنا أحب الأعمال التى تعتمد على البطولة الجماعية، لأنها تمنح الحكاية ثراءً أكبر. وجود أكثر من شخصية مؤثرة داخل الأحداث يجعل العالم الدرامى أكثر حيوية وواقعية، وهذا ما حدث فى «الكراش».
■ ما أصعب التحديات التى واجهتك فى العملين؟
- التحدى الأكبر كان الانتقال بين عالمين مختلفين تمامًا فى فترة متقاربة. «إذما» يعتمد على الحالة النفسية والتأمل والمشاعر الداخلية، بينما «الكراش» يحتاج إلى خفة وروح كوميدية وإيقاع سريع. لذلك كان علىّ أن أفصل نفسيًا بين الشخصيتين حتى لا تتداخل التفاصيل.
■ هل تحب هذا النوع من التحديات؟
- جدًا، لأننى أشعر بأن التحدى هو ما يجعل الفنان يتطور. لو ظللت أقدم نفس النوعية من الأدوار سأشعر بالملل، لذلك أحب دائمًا أن أخرج من منطقة الراحة.
■ كيف ترى تطور السينما المصرية حاليًا؟
- أعتقد أن السينما المصرية تشهد حالة جيدة من التنوع والتطور. هناك محاولات لتقديم أفكار مختلفة وأنواع متعددة من الأفلام، والجمهور نفسه أصبح أكثر وعيًا وانفتاحًا على التجارب الجديدة. وهذا شىء مهم جدًا لأنه يشجع صناع السينما على المغامرة وعدم الاكتفاء بالقوالب التقليدية.
■ هل ترى أن شباك التذاكر أصبح المقياس الأساسى للنجاح؟
- الإيرادات مهمة طبعًا، لأنها تعكس حجم الإقبال الجماهيرى، لكن النجاح الحقيقى بالنسبة لى هو أن يخرج الجمهور متأثرًا بالفيلم أو متعلقًا بشخصياته. أحيانًا هناك أعمال تحقق إيرادات ضخمة لكنها تُنسى سريعًا، وهناك أعمال تبقى فى ذاكرة الناس لسنوات بسبب تأثيرها الإنسانى.
■ ما نوعية الشخصيات التى تبحث عنها حاليًا؟
- أبحث عن الشخصيات التى تحمل صدقًا وإنسانية، والتى تجعلنى أشعر بأن لدى شيئًا جديدًا أقدمه. أحب الشخصيات المركبة التى تحمل تناقضات داخلية، لأن الإنسان نفسه ليس بسيطًا أو مباشرًا.
■ هل أصبحت تنتقى أعمالك بشكل أكثر دقة مع الوقت؟
- بالتأكيد، لأن الخبرة تجعل الفنان أكثر حرصًا على اختياراته. أحاول ألا أقدم عملًا لمجرد الوجود أو الوجود المستمر، بل أحب أن يكون لكل مشروع معنى وقيمة حقيقية.
■ كيف تتعامل مع ردود أفعال الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعى؟
- أتابعها باهتمام، لأننى أحب معرفة رأى الناس الحقيقى، لكننى فى الوقت نفسه أحاول ألا أنشغل كثيرًا بالضغوط أو الترندات. المهم بالنسبة لى أن أقدم عملًا أقتنع به، وبعد ذلك أترك الحكم للجمهور.
■ ماذا عن طموحاتك المستقبلية؟
- أتمنى الاستمرار فى تقديم أعمال متنوعة ومختلفة، وأن أشارك فى مشروعات تحمل قيمة فنية وإنسانية حقيقية. كما أتمنى أن أرى السينما المصرية فى تطور مستمر وأن تصل أعمالنا إلى جمهور أكبر عربيًا وعالميًا.




