أخبار عاجلة

ميشيل فوكو.. الوجه الصحفي الذي لا يعرفه الكثيرون

ميشيل فوكو.. الوجه الصحفي الذي لا يعرفه الكثيرون
ميشيل فوكو.. الوجه الصحفي الذي لا يعرفه الكثيرون

عرف  ميشيل فوكو بوصفه أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، وصاحب المشاريع الفكرية الكبرى التي أعادت النظر في مفاهيم السلطة والمعرفة والجنون والسجن، غير أن كتاب «ميشيل فوكو صحافيًا»، الذي نقله إلى العربية البكاي ولد عبد المالك وصدر عن دار جداول، يكشف جانبًا أقل شهرة في مسيرته؛ هو فوكو الصحفي والمحقق الميداني الذي لم يكتفِ بالتأمل النظري، بل نزل إلى مواقع الأحداث باحثًا عن الأفكار وهي تتشكل في الواقع.

جاءت تجربة فوكو الصحفية بناء على اقتراح من الناشر لإيطالي «ريزولي»، الذي سبق أن ترجم «تاريخ الجنون» عام 1963، وفي إطار تعاونه مع صحيفة «أخبار المساء» الإيطالية،  وقد طلب ريزولي تعاون فوكو معه.

ذهب فوكو بعيدًا عن المقالات التقليدية، وكان هدفه تشكيل فريق لتوليد الأفكار، وجاء ذلك عبر مثقفين ومحقيين،  يتوجهون الى الاماكن التي  تولد وتموت فيها الأحداث. 

وكانت إيران أبرز محطات هذه المغامرة الصحفية، ففي أعقاب حريق سينما ريكس بمدينة عبادان عام 1978، الذي لفت أنظار العالم إلى تصاعد الاحتجاجات ضد نظام الشاه، قرر فوكو أن يتابع الأحداث بنفسه، درس الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلاد، واطلع على كتابات عدد من الباحثين المتخصصين في الشأن الإيراني، كما التقى شخصيات من المعارضة الإيرانية لفهم طبيعة الحراك المتصاعد.

زار فوكو إيران مرتين خلال عام 1978، والتقى خلالهما شخصيات دينية وسياسية بارزة، من بينها آية الله شريعة مداري، أحد أبرز المراجع الدينية آنذاك والمعروف بمواقفه الليبرالية ورفضه هيمنة رجال الدين على السلطة السياسية، وقد أتاحت له هذه الزيارات الاقتراب من نبض الشارع الإيراني ومراقبة التحولات الجارية عن قرب.

وفي أحد أشهر تقاريره، بعنوان «طهران زلزلت الأرض لتوها»، توقف فوكو أمام مشهد رمزي بالغ الدلالة، فبعد الزلزال المدمر الذي ضرب منطقة تاباس، لاحظ نشوء مدينتين متجاورتين: واحدة أعادت الدولة بناءها وفق رؤيتها الرسمية، وأخرى بناها السكان بأيديهم بقيادة رجال دين محليين، رأى فوكو في هذا المشهد تجسيدًا لصراع بين نموذجين؛ نموذج الدولة المركزية من جهة، ونموذج المجتمع الذي يعيد تنظيم نفسه خارج مؤسسات السلطة من جهة أخرى.

لم يكن اهتمامه منصبًا على تفاصيل إعادة الإعمار بقدر ما كان معنيًا بفهم القوة الاجتماعية الكامنة وراء هذا الفعل الجماعي، فقد رأى أن الإسلام في إيران تحول إلى قوة تعبئة ومقاومة قادرة على حشد الناس وتوحيدهم في مواجهة السلطة السياسية، وهو ما دفعه إلى الحديث عن «روحانية سياسية» تمنح الحراك الشعبي طاقة استثنائية.

تكشف هذه الكتابات عن وجه آخر لفوكو؛ وجه الصحفي الذي كان يرى في الحدث الميداني مختبرًا حيًا للأفكار، ويؤمن بأن فهم التاريخ لا يتحقق من خلف المكاتب فقط، بل من خلال الاقتراب من الناس والإصغاء إلى أصواتهم في لحظات التحول الكبرى. 

هناك تجربة أخرى شهدها فوكو، وهي تجربة تونس ومظاهراتها والتي كان شاهد عيان على مجرى أحداثها، وأشار تلميذه فتحي التريكي  عبر مذكراته إلى أن فوكو  قال ذات مرة "لم يجد طلبةً لديهم من الجدية والتعطش للمعرفة إلا في تونس والبرازيل"، إلا أنه ينفي عن نفسه فعل الثورية النشط، فهو لم يشارك في مسيرة أو مظاهرة على عكس سارتر.