أكد عدد من الخبراء المختصين فى الشئون الدولية أن المشهد الإقليمى الراهن بين إيران والولايات المتحدة لا يزال فى مرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها مسارات التهدئة الدبلوماسية مع احتمالات التصعيد المحدود، موضحين أن الاتفاق الحالى بين واشنطن وطهران يعد أقرب إلى إطار إدارة الأزمة منه إلى تسوية نهائية، فى ظل بقاء الملفات الخلافية الكبرى دون حسم، وعدم رغبة الطرفين فى العودة للحرب المباشرة.
وأشار الخبراء، خلال حديثهم لـ«الدستور»، إلى أن التوترات حول مضيق هرمز تعبّر عن مدى هشاشة الترتيبات الحالية، كما توضح أن مضيق هرمز أصبح يُستخدم كورقة إعلامية وسياسية، مع البحث عن تحقيق مكاسب داخلية، أو استخدامه كورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض بين الجانبين.
سامر كركى: التفاهمات مؤقتة وهشّة.. والملف اللبنانى أكبر عائق
رأى سامر كركى، الباحث السياسى والكاتب اللبنانى، أن العائق الأساسى أمام التقدم فى مسار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران يرتبط بالملف اللبنانى، فى ظل ما وصفه بـ«التماهى الأمريكى» مع الموقف الإسرائيلى الرافض الانسحاب الكامل من بعض المواقع فى لبنان.
وأوضح «كركى» أن إسرائيل تحاول الإبقاء على حالة من الضغط الميدانى مع استمرار العمليات المحدودة، بما يعرقل مسار تثبيت وقف إطلاق النار، محذرًا من أن هذا يمكن أن ينعكس سلبًا على مسار التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران.
وقال: «استمرار هذا النهج الإسرائيلى قد يدفع إيران إلى تعليق مشاركتها فى المفاوضات، والسيناريوهات المحتملة قد تتدرج نحو تصعيد أكبر، لا يستبعد معه انتقال المواجهة إلى مستويات مباشرة مع إسرائيل، خاصة أن جميع الاحتمالات تبقى مفتوحة».
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، رأى «كركى» أن إيران لن تقبل بتوسيع أو فتح مسارات بديلة خارج إطار التفاهمات التى تشرف عليها سلطنة عمان، خاصة مع وضع سقف زمنى مدته ستون يومًا لترتيب آليات مرور السفن من المضيق.
وأضاف: «أى ترتيبات لاحقة بعد هذه الفترة ستتم عبر تفاهم مباشر بين طهران ومسقط، لكن بعض التطورات الميدانية الأخيرة، بما فى ذلك الحوادث التى سُجلت فى الممرات البديلة، تعكس هشاشة الترتيبات المؤقتة، خاصة أن المشهد الحالى لا يزال محكومًا بتفاهمات انتقالية، مرتبطة بسياق الحرب على إيران، فى ظل غياب أى تسوية دائمة، واستمرار إسرائيل فى إدارة التصعيد».
على الذهب: الألغام البحرية تمنح إيران وحدها التحكم فى خرائط العبور
قال على الذهب، الخبير العسكرى اليمنى، إن مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما البرنامج النووى الإيرانى ومضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران نجحت فى توظيف المضيق كورقة ضغط استراتيجية موازية للملف النووى فى مواجهة واشنطن وحلفائها.
وأوضح «الذهب» أن إيران تعاملت مع مضيق هرمز بوصفه أداة سياسية- أمنية ضمن إدارة الأزمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بحيث يقابل الضغط الغربى الهادف لتقييد برنامجها النووى تهديدٌ غير مباشر بتقييد حركة الملاحة الدولية والطاقة عبر المضيق.
وأضاف أن مضيق هرمز لا يزال يمثل «أقوى ورقة تفاوضية» بيد إيران، معتبرًا أن عمليات إجلاء السفن العالقة داخل الخليج خلال الأشهر الماضية لا تعنى انفراجة حقيقية فى الأزمة، فى ظل استمرار ما وصفه بعوائق ميدانية وأمنية تعرقل استقرار الملاحة.
وأشار إلى أن من بين هذه العوائق وجود ألغام بحرية مزروعة فى مناطق من الممرات القريبة من المضيق، سواء فى عمقه أو على أطرافه، ما يمنح إيران قدرة على التحكم فى خرائط العبور وتحديد مساراته وشروطه، وفق تقديره.
وفيما يتعلق بالمسار البحرى البديل الذى جرى تفعيله بالتنسيق بين سلطنة عمان والمنظمة البحرية الدولية، قال «الذهب» إن فتح ممر ملاحى جنوبى بالقرب من مسندم قد يسهم جزئيًا فى تخفيف الضغط، لكنه فى الوقت نفسه يخلق تحديات أمنية جديدة، بعد تسجيل هجمات على سفن تمر عبر هذا المسار، يُشتبه فى أن بعضها مرتبط بالحرس الثورى الإيرانى.
وأضاف أن هذا التطور دفع أيضًا إلى ضغوط سياسية على سلطنة عمان، بهدف الحد من استخدام هذا المسار، باعتباره يقلل من فاعلية الورقة الإيرانية فى المضيق.
ولفت إلى أن أى ممرات بديلة لا يمكن أن تلغى الدور الاستراتيجى للمضيق التقليدى، نظرًا لارتباطه المباشر بالمياه الإقليمية الحساسة وبمنظومة الأمن البحرى العمانى والإيرانى فى آنٍ واحد، ما يجعله منطقة شديدة التعقيد من الناحية العسكرية واللوجستية.
وحذر الخبير اليمنى من أن التهدئة الحالية لا تعنى بالضرورة استقرارًا دائمًا، مشيرًا إلى أن أى انهيار فى مسار التفاهمات خلال فترة الستين يومًا قد يعيد التوتر إلى مستويات أعلى، خاصة فى ظل احتمال توسع المواجهات غير المباشرة فى المنطقة.
واثق الجابرى: تصعيد سياسى وإعلامى.. ولا عودة إلى الحرب المباشرة
أكد واثق الجابرى، الباحث السياسى العراقى، أن الاتفاق الأمريكى- الإيرانى لا يزال محاطًا بتوجسات وقلق متبادل بين الطرفين، فى ظل استمرار غياب الثقة وتوظيف التصريحات الإعلامية كأداة ضغط سياسى، وذلك رغم ما يبدو من أنه سيمضى قدمًا.
وأوضح «الجابرى» أن كلا الجانبين يسعى إلى تقديم نفسه بصورة المنتصر داخل إطار الاتفاقات الجارية وعبر إدارة الخطاب الإعلامى أكثر من سعيه لتفاهمات مستقرة، لذا تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى محاولات متبادلة لجس النبض والضغط السياسى. وأشار إلى أن الجانب الإسرائيلى يلعب دورًا مراوغًا، ويحاول خلق تباينات فى الموقف الأمريكى لزيادة الضغط على إيران خلال مسار التفاهمات، وهو ما يظهر فى بعض التطورات الإقليمية، خصوصًا فى الساحة اللبنانية.
وقال الباحث العراقى: «الفترة الممتدة ضمن مهلة الستين يومًا تمثل مرحلة اختبار بين الأطراف، فى ظل عدم رغبة أى طرف فى العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة، مع السعى لتحقيق مكاسب عبر المسار الدبلوماسى». ولفت إلى أن أولويات إيران فى المرحلة الحالية تتركز على رفع العقوبات وتخفيف القيود على عائداتها المالية، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى فرض ترتيبات تتعلق ببرنامج تخصيب اليورانيوم، إلى جانب تحقيق مكاسب سياسية داخلية تظهرها كطرف منتصر فى إدارة الأزمة.
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، اعتبر «الجابرى» أن الواقع الحالى يعكس نفوذًا إيرانيًا متزايدًا فى الممر البحرى الاستراتيجى، ما يمنح إيران قدرة تأثير كبيرة على حركة الملاحة الدولية، ما يرسخ القناعة بأن طهران قادرة على استخدام المضيق كورقة ضغط فى أى لحظة.
واستبعد الباحث العراقى العودة إلى التصعيد العسكرى المباشر فى المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن أى توتر محتمل سيكون فى الغالب تصعيدًا إعلاميًا وسياسيًا أكثر منه ميدانيًا، خاصة فى ظل توجهات الكونجرس الأمريكى لرفض توسع الحرب أو الانخراط العسكرى المباشر.
واختتم حديثه بالقول: «العقبة الأبرز أمام استقرار الاتفاق تتمثل فى ملف الأموال الإيرانية المجمدة فى الخارج، ومن المرجح أن تستمر واشنطن فى استخدام هذا الملف كورقة ضغط سياسية، لتعطيل أو تأخير تنفيذ بعض بنود التفاهم، بهدف تحسين شروط التفاوض أو إعادة تشكيل موازين المكاسب بين الطرفين».
حسام طالب: طهران تتحجج بآليات تنظيم مرور السفن
اعتبر حسام طالب، الباحث السياسى السورى، أن ما يجرى بين الولايات المتحدة وإيران لا يرقى حتى الآن إلى مستوى «اتفاق نهائى»، بل يندرج ضمن ما وصفه بـ«إعلان نوايا» يقتصر على وقف الأعمال القتالية دون التوصل إلى تفاهمات تفصيلية بشأن الملفات العالقة. وأوضح «طالب» أن القضايا الجوهرية، مثل آلية إدارة الأموال الإيرانية المجمدة، وترتيبات الملاحة فى مضيق هرمز، لا تزال دون اتفاق، مشيرًا إلى أن المرحلة الراهنة تمثل بداية مسار تفاوضى يمتد لنحو ستين يومًا، قد يُفضى إلى اتفاق أو إلى تمديد المفاوضات. وفيما يتعلق بمضيق هرمز، اعتبر «طالب» أن طهران تحاول توظيفه كورقة ضغط فى المفاوضات، عبر طرح آليات لتنظيم مرور السفن، سواء بشكل مباشر أو من خلال ترتيبات تأمينية وخدمية، مثل شركات تأمين أو مرافقة بحرية لتحديد مسارات العبور.




