في كل مرة يبدو فيها أن التوتر بين واشنطن وطهران يتجه نحو الاحتواء، يعيد مضيق هرمز إشعال المشهد من جديد. الممر البحري الأكثر حساسية في العالم لم يعد مجرد شريان لتدفق الطاقة، بل تحول إلى ساحة اختبار حقيقية لحدود القوة والنفوذ، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية، ويبرز سؤال: هل ما يجري مجرد تصعيد تكتيكي أم بداية مرحلة جديدة من المواجهة؟
وفي هذا السياق، عادت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، رغم مؤشرات تحدثت عن استمرار قنوات التواصل بين الطرفين، قد أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى إنشاء خط اتصال مباشر بين واشنطن وطهران يهدف إلى منع الاحتكاك العسكري، قبل أن ينفي الحرس الثوري الإيراني صحة تلك الأنباء، في مؤشر يعكس التباين بين المسار الدبلوماسي والتطورات المتسارعة على الأرض.
لكن نفي وجود قنوات اتصال لم يمنع الميدان من فرض إيقاعه، إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ ضربات استهدفت مواقع إيرانية لتخزين الصواريخ والطائرات المسيرة، إضافة إلى مواقع للرادارات الساحلية، مؤكدة أن العملية جاءت ردًا على ما وصفته بـ"العدوان غير المبرر" ضد الملاحة التجارية، والذي اعتبرته انتهاكًا واضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار.
في المقابل، أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن الضربة استهدفت ميناء سيريك، بعد سماع دوي انفجار في المنطقة، موضحة أن القوات الإيرانية كانت قد أطلقت قبل ذلك طلقات وصاروخين تحذيريين باتجاه سفن قالت إنها انتهكت لوائح الملاحة في مضيق هرمز وبين الروايتين الأمريكية والإيرانية، اتسعت دائرة الاتهامات، ليتحول التوتر السياسي سريعًا إلي تبادل للرسائل العسكرية.
قد أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف مواقع للجيش الأمريكي في المنطقة، محذرًا من أن أي هجوم جديد سيقابل برد أوسع وأكثر حزمًا، ومؤكدًا أن مسؤولية تنظيم الملاحة في مضيق هرمز تقع ضمن السيادة الإيرانية وفقًا لمذكرة التفاهم المبرمة مع واشنطن.
ومن جانبها، وصفت وزارة الخارجية الإيرانية الضربات الأمريكية بأنها "انتهاك صارخ"لمذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين، مؤكدة أن الغارات استهدفت عدة مواقع على الساحل الجنوبي لإيران، واعتبرت أنها تمثل خرقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلًا عن مخالفتها لبنود الاتفاق الذي أُبرم في منتصف يونيو.
ولم تقتصر تداعيات التصعيد على طرفي الأزمة، بل امتدت إلى محيط الخليج، إذ أعلنت البحرين تعرضها لهجوم بعدد من الطائرات المسيرة، محملة إيران مسؤولية العملية، وواصفة الهجوم بأنه انتهاك للسيادة ومحاولة لتقويض جهود إحلال السلام والاستقرار في المنطقة.
وفي مؤشر آخر على هشاشة الوضع الأمني، تعرضت ناقلة نفط أثناء عبورها مضيق هرمز، السبت، لإصابة بمقذوف مجهول أدى إلى أضرار في جسر القيادة، دون تسجيل إصابات بين أفراد الطاقم، بحسب هيئتين بحريتين، في حادث يعكس المخاطر المتزايدة التي تهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وعلى الصعيد السياسي، كثفت طهران رسائلها، إذ أكدت بحرية الحرس الثوري أن عبور السفن عبر مضيق هرمز يجب أن يتم وفق المسارات التي تحددها إيران، فيما شدد نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي ورئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني على أن أي ترتيبات لضمان حرية الملاحة لن تكون قابلة للتنفيذ ما لم تُنسق مع طهران، مؤكدين استعداد إيران للرد على أي تحرك تعتبره مخالفًا لمذكرة التفاهم.
وفي خضم هذا التصعيد، صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته، متهمًا إيران بإطلاق طائرات مسيرة هجومية استهدفت سفنًا تعبر مضيق هرمز، ومؤكدًا أن إحدى تلك المسيرات أصابت سفينة شحن بشكل مباشر، في اتهامات من شأنها زيادة تعقيد المشهد الأمني والسياسي في المنطقة.
ولا تبدو الضربات الأمريكية مجرد رد عسكري على حادث ميداني، بل تأتي ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى استعادة قوة الردع الأمريكية وحماية مصالحها وقواتها المنتشرة في المنطقة، بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت قواعدها وحلفاءها.
كما تسعى واشنطن إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن أي تهديد مباشر لمصالحها أو للملاحة الدولية سيقابل برد حاسم، مع الحرص في الوقت نفسه على إبقاء العمليات ضمن سقف يمنع تحولها إلى حرب شاملة مع إيران.
وفي المقابل، تدرك الإدارة الأمريكية أن أي مواجهة واسعة في الخليج ستكون لها انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر اعتمادها سياسة "الردع المحدود"،القائمة على تنفيذ ضربات نوعية تحقق أهدافًا عسكرية وسياسية، مع الإبقاء على قنوات الدبلوماسية مفتوحة لتجنب الانزلاق إلى صراع مفتوح.
وبين رسائل القوة ومحاولات احتواء الأزمة، يقف مضيق هرمز مرة أخرى في قلب معادلة الأمن الإقليمي.
كل تصعيد ميداني يرفع احتمالات المواجهة، وكل تحرك دبلوماسي يبقي باب التهدئة مواربًا. وبين هذين المسارين، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث قد تتحول أي شرارة إلى أزمة أوسع تمتد آثارها إلى أمن الخليج وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.




