أخبار عاجلة

الأشراف الجعافرة وثورة 30 يونيو.. جينات الأجداد في حماية الوطن

الأشراف الجعافرة وثورة 30 يونيو.. جينات الأجداد في حماية الوطن
الأشراف الجعافرة وثورة 30 يونيو.. جينات الأجداد في حماية الوطن

لعلها المرة الأولى التي أتحدث فيها عن أصولي العائلية، ليس من باب المفاخرة بالنسب، وإنما لأن التاريخ بمنطقة يخبرنا دائمًا بأن هناك تشابها بين مواقف الأجداد وما ترسخه الجينات من قيم ومبادئ تظهر بوضوح في لحظات الأزمات الكبرى.
لقد رسم التاريخ عبر العصور ملامح هوية ممتدة، حملت فلسفة الأخلاق والسلم الاجتماعي في الشخصية المصرية، وكان لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أثرا بارزًا في ترسيخ هذه القيم بما قدموه من نماذج في العلم والإصلاح ونبذ الفتن.
إن في حياة الأمم محطات فارقة لا تُقرأ فقط عبر شاشات الأخبار أو التحليلات السياسية، بل تُقرأ أيضًا في وعي الشعوب وذاكرتها الحضارية، نستقبل ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو، والتي تشرفت بالمشاركة فيها، فإننا لا نحتفل بتاريخ عابر في الروزنامة السياسية، وإنما بلحظة استعاد فيها الشعب المصري وعيه الوطني، واستدعى مخزونه الحضاري ليحمي هويته من الاختطاف، ويصون دولته من الفوضى والانقسام.
وفي هذا السياق يبرز سؤال مهم: لماذا كانت القبائل الجعفرية الحسينية في مقدمة الصفوف الداعمة للدولة الوطنية، والمصطفة دائمًا خلف مؤسساتها الدستورية، منذ هجرتها إلى مصر في القرن الثاني الهجري وحتى يومنا هذا؟

المرجعية التاريخية.. من فخ إلى صعيد مصر
تكمن الإجابة في رحم التاريخ، وتحديدًا في أعقاب موقعة "فخ" الشهيرة سنة 169هـ، حين تعرض آل بيت النبوة للملاحقة في العصر العباسي، فضاقت بهم السبل، ولم يجدوا ملاذًا أكثر أمنًا واحتضانًا من مصر، التي كانت عبر تاريخها الطويل وطنًا رحبًا لكل من قصدها، وشعبًا عرف بمحبة آل البيت وتوقيرهم.
لقد استقر السادة الأشراف الجعافرة والمحافيظ في قلب الصعيد، ولم يكونوا يومًا ضيوفًا على هذه الأرض، بل أصبحوا جزءًا أصيلًا من نسيجها الوطني، وأسهموا عبر القرون في حماية الجنوب المصري، وترسيخ قيم الاستقرار، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
ولم يكن ذلك وليد المصادفة، بل امتدادًا لفلسفة الإمام جعفر الصادق، القائمة على بناء الإنسان، ونشر العلم، وحقن الدماء، ورفض الفتن والصراعات التي تهدم الأوطان. وهي فلسفة تربينا عليها داخل البيوت المصرية، تؤمن بأن حماية الدولة واجب، وأن السلم الأهلي والوعي المجتمعي من أعظم مكتسبات الأمم.
ومن هنا، فإن حديثي عن الإمام جعفر الصادق ليس حديثًا مذهبيًا، ولا دعوة للانتماء إلى أي تيار ديني أو سياسي، فنحن مصريون أولًا وأخيرًا، ننتمي إلى الدولة المصرية الوطنية الحديثة، ونعتز بتاريخنا الإسلامي كله باعتباره جزءًا من حضارتنا الجامعة.
إنما أستدعي شخصية الإمام جعفر الصادق باعتباره أحد كبار علماء الأمة الإسلامية، وصاحب مدرسة أخلاقية وفكرية قامت على العلم والإصلاح، ونبذ الفتن، وترسيخ المسؤولية الاجتماعية والتكامل الوطني.
وقد انعكست هذه المدرسة في سلوك كثير من أبناء آل البيت عبر التاريخ، خاصة بعد هجرتهم إلى مصر، حيث اندمجوا في المجتمع المصري، وأسهموا في بنائه، وأصبحوا جزءًا من قوته الحضارية والاجتماعية.
إن انتسابنا للسادة الجعافرة ليس مفاخرة بالماضي، بل التزام أخلاقي دائم تجاه حاضر مصر ومستقبلها. وفي ثورة الثلاثين من يونيو أثبت أبناء الأشراف الجعافرة، كما غيرهم من أبناء القبائل والعائلات المصرية، أنهم يقفون دومًا في صف الدولة الوطنية، حراسًا للهوية، وبناةً للجسور بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية.
لقد كان الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية والمؤسسية، عبر خارطة الطريق التي شاركت فيها جميع القوى الوطنية، هو الهدف الأسمى لجيل الوسط، الذي أدرك أن بناء الدول لا يكون إلا عبر المؤسسات وسيادة القانون.
لم يكن خروجنا في الثلاثين من يونيو مجرد انفعال سياسي أو احتجاج عابر، بل كان موقفًا وطنيًا وأخلاقيًا نابعًا من قناعة بأن مستقبل الدولة المصرية أصبح على المحك.
وكان الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، وما تضمنه من تحصين لقرارات رئيس الجمهورية، نقطة فاصلة في إدراك قطاع واسع من المصريين بأن الدولة تتجه نحو احتكار السلطة، بما يهدد مبدأ الفصل بين السلطات ويضعف مؤسسات الدولة.
ومن هنا اتسعت دائرة الاحتجاجات، وتبلورت حركة شعبية واسعة أعادت الاعتبار لفكرة المقاومة السلمية التي رسخها سعد زغلول في الوجدان الوطني.
وقد كنت أحد المشاركين في ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013، وعضوًا باللجنة المركزية لحركة "تمرد"، التي كانت أحد أبرز محركات الحراك الشعبي آنذاك، بدافع وطني خالص، انطلاقًا من الإيمان بأن الدولة المصرية أكبر من أي جماعة، وأبقى من أي سلطة، وأن الشرعية الحقيقية تستمد قوتها من إرادة الشعب، ثم من الدستور ومؤسسات الدولة.
وحين شعرت الأغلبية الساحقة من المصريين بأن الدولة تواجه أزمة وجود، لم يكن خروج الملايين مجرد خلاف سياسي، بل كان دفاعًا عن فكرة الدولة الوطنية التي تتسع لجميع أبنائها، وتحكمها المؤسسات، ويعلو فيها القانون فوق التنظيمات والجماعات.

القبائل والعائلات... ركيزة الدولة الوطنية
لقد تطور الوعي السياسي لدى القبائل والعائلات المصرية بصورة لافتة، فأصبحت شريكًا في ترسيخ الدولة، وداعمًا لاستقرارها، بعد أن حاولت بعض القوى السياسية تهميش دورها أو توظيفها خارج الإطار الوطني.
وكان السادة الأشراف، عبر التاريخ، وما زالوا، حراسًا لهذا الوطن، وبناةً للجسور بين القيادة والمجتمع، إدراكًا منهم بأن هذه المكانة ليست وجاهة اجتماعية، وإنما مسؤولية وطنية.
فخرجنا لنقول "لا" لكل من يستخدم الدين وسيلة لإشعال الفتن، أو توظيف الشعارات الدينية لإضعاف الدولة، مؤكدين أن الهوية الوطنية المصرية هي المظلة الجامعة، وأن الانتماء للوطن لا يقل قداسة عن الوفاء لقيم آل بيت النبوة، وأن الحفاظ على الدولة هو حفاظ على الدين والدنيا معًا.
ولهذا، فإن حديثي عن الجعافرة أو عن تاريخ أسرتي ليس حديث امتياز أو عصبية، وإنما حديث مسؤولية تعلمناها من آبائنا وأجدادنا، مفادها أن الدولة المصرية هي المظلة التي تحمي الجميع، وأن الحفاظ عليها واجب على كل مصري، مهما كان أصله أو محافظته أو عائلته.
وقد أثبتت التجربة أن القبائل والعائلات المصرية الكبرى، في الصعيد والدلتا وسيناء ومطروح، كانت دائمًا جزءًا من قوة الدولة، وسندًا لمؤسساتها، وليست بديلًا عنها أو منافسًا لها.
ومن هذا المنطلق، فإن رفضنا للفوضى ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل نابع من إدراك تاريخي بأن تفكك النسيج الاجتماعي هو أخطر ما يمكن أن يصيب الأوطان، وأن القبيلة، في فلسفتها الوطنية، مؤسسة اجتماعية تدعم الدولة، وتعزز التكافل، وتحمي السلم الأهلي.

من 30 يونيو إلى الجمهورية الجديدة
وكما يخبرنا التاريخ بعظمة الأجداد، فإن حاضرنا يؤكد أن ملحمة الثلاثين من يونيو كانت امتدادًا لهذا الوعي الوطني، حين انتفض المصريون دفاعًا عن هويتهم ودولتهم، بعدما أدركوا أن تهديد الدولة المركزية هو تهديد مباشر لاستقرار المجتمع ومستقبله. واليوم، ونحن نمضي بثبات نحو الجمهورية الجديدة، فإن المعركة لم تعد معركة إسقاط، وإنما معركة بناء، وترسيخ للوعي، وتعزيز لدولة القانون، ومواجهة لدعوات الفوضى والانقسام والكراهية.
إن التزامنا تجاه أهلنا في كل ربوع مصر، من قلب الصعيد في أسوان، وحتى أحياء القاهرة العريقة، هو عهد لا ينفصم، يقوم على حماية السلم الأهلي، ودعم العدالة الاجتماعية، والمشاركة في تحقيق التنمية التي يشعر بها المواطن.
وسيظل تاريخنا مصدر إلهام، وستبقى الدولة الوطنية المصرية هي الإطار الذي يحفظ الدين، ويصون الكرامة، ويحقق التنمية، ويمنح أبناءها الأمل في مستقبل أفضل.
لقد كنا، كما كان أجدادنا، حراسًا للهوية، وبناةً للجسور، ومخلصين لوطن لا نبتغي رفعة سواه. فالانتماء الحقيقي ليس إلى اسم عائلة أو قبيلة، وإنما إلى وطن يستحق أن نبذل من أجله كل جهد مخلص.
ستظل مصر هي الهوية الكبرى التي تجمعنا جميعًا.
حفظ الله مصر، وشعبها، وجيشها، وشرطتها، وكل مؤسساتها الوطنية، وجعلها دائمًا واحةً للأمن والاستقرار والسلام، وحفظها من كل سوء، وكل عام ومصر والمصريون بخير، منصورين على كل من أراد بها سوءًا.