خاضت البلاد بكامل فئات شعبها تجربة أبهرت العالم خلال ملحمة ٣٠ يونيو الوطنية، التى ضرب المصريون فيها أروع الأمثلة للإرادة الشعبية فى التغيير.
ولم يكن الأزهر الشريف بعيدًا عن آمال الأمة وتطلعاتها فانحاز إلى الإرادة الشعبية. وكان للدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، رئيس مجلس حكماء المسلمين، والمشيخة بعلمائها وهيئاتها الشرعية، دور بارز فى دعم ثورة ٣٠ يونيو.
أسهم ظهور شيخ الأزهر، بجوار رموز وقيادات الدولة، فى خطاب ٣ يوليو الشهير، بحضور الفريق أول عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع آنذاك، والبابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، وممثلين عن حزب النور، وحركة «تمرد» فى قطع الطريق أمام مزاعم «الإخوان» التى روّجت لها فى الداخل والخارج بأن الثورة «حرب على الإسلام».
وقبل خطاب ٣ يوليو الشهير بيوم، حثّ «بيت العائلة المصرية» جموع الشعب على لمّ الشمل، والحفاظ على وحدة النسيج الوطنى، وإعلاء القيم العليا للإسلام والمسيحية ومعها قيمة المواطنة المصرية.
كما حثّ على عدم الزج بالدين فى الصراع السياسى، والتحلّى بالسلمية فى كل المواقف وفى كل الظروف والأحوال، ووضع الوطن فى المكانة العليا فى القلوب والعقول، والبعد عن التشرذم والانقسام وصيانة الدماء المصرية حتى تصل سفينة الوطن إلى بر الأمان.
وسبق أن طالب شيخ الأزهر، فى بيان له يوم ٢ يوليو ٢٠١٣، الجميع بتحمل مسئولياته أمام الله والوطن والتاريخ فى اتخاذ خطوات جادة وفاعلة للخروج العاجل من هذه الأزمة، تقديرًا لصوت الشعب الذى فاجأ العالم بإلهام حضارى جديد، من خلال تعبيره الراقى عن مطالبه، وحقنًا للدماء، وصونًا للأعراض والأموال، وحفاظًا على الأمن القومى من التعرض للمخاطر المحدقة به داخليًا وخارجيًا.
وحذّر الدكتور الطيب من فتنة تجر البلاد إلى هاوية خطيرة ومستنقع كريه يشوه وجه مصر العظيم، قائلًا: «أحذركم من فتنة مهلكة، تذهب بوحدتكم، فتنة تصرف قواتنا المسلحة الباسلة عن مهمتها الوطنية الأصلية، وأن الدين والوطنية براء من أى دم يُسفك وبراء من كل من يتسبب فى سفك كل قطرة دم».
ولم يكن دعم الأزهر وانحيازه للإرادة الشعبية الواقعة الأولى، فقد وقف وبقوة ضد محاولات النيل من مؤسسات الدولة، وخاض الدكتور الطيب حربًا ضد جماعة الإخوان طوال سنوات عديدة، خاصة مع بداية توليه رئاسة جامعة الأزهر، وامتدت بعد ثورة يناير وسيطرة الجماعة على البلاد.
وكان لـ«الإخوان» عداء شخصى مع الدكتور «الطيب» منذ كان رئيسًا لجامعة الأزهر، إذ شهدت فترة رئاسته محاولة طلاب الجماعة إقامة عرض عسكرى داخلها.
واستمر عداء الجماعة للشيخ «الطيب» بعد توليه منصب شيخ الأزهر، فكانت تدفع شبابها كثيرًا للتظاهر ضده، لدرجة محاولة اقتحام المشيخة، بسبب موقفه الرافض والمتصدى بقوة لمحاولات الجماعة المستمرة للسيطرة على الأزهر ومؤسساته.
وأراد «الإخوان» سحب البساط من تحت الأزهر وتحجيمه ليصبح أمر الدعوة فى أيدى الشيوخ والدعاة غير الأزهريين، وتكون حكرًا على المنتمين للجماعة.
وكان الأزهر العائق الأكبر أمامهم لنشر فكرهم ورؤيتهم السياسية المختلطة بشعارات دينية، وكان من الطبيعى أن يسعى من أرادوا تطويع الدين لخدمة أهدافهم لأن تكون أكبر مؤسسة إسلامية فى العالم تحت سيطرتهم لخدمة مصالحهم الخاصة، وهو ما وقف الأزهر ضده بقوة فحافظ على استقلاليته رغم كل الضغوط.
وتعرّض الأزهر لهجمات شرسة من قِبل جماعة «الإخوان» قبيل وعقب ثورة ٣٠ يونيو، بعد إعلانه مساندة ودعم قرارات وزير الدفاع حينها، الفريق أول عبدالفتاح السيسى، لكن الشيخ «الطيب» لم يبالِ، وقرر الانحياز إلى الجماهير التى خرجت إلى الميادين غاضبة، معلنة رفضها المعزول محمد مرسى وجماعته فى ٣٠ يونيو عام ٢٠١٣.
وعقد «بيت العائلة المصرية»، المنوط به لمّ شمل المصريين، وقتها عدة اجتماعات، أصدر خلالها بيانًا قال فيه: «إن بيت العائلة وهو يقوم بدوره فى جمع شمل مصر، والحفاظ على وحدة نسيجها الوطنى، وإعلاء القيم العليا للإسلام والمسيحية، ومعها قيمة المواطنة المصرية، وعدم الزج بالدين فى الصراع السياسى، وتميز مصر الحضارى عبر تاريخها الطويل فى السلم والتعايش فى الوسطية والاعتدال».
وناشد المصريين جميعًا «السلمية فى كل المواقف وفى كل الظروف والأحوال، ووضع الوطن فى المكانة العليا فى القلوب والعقول، وإعلاء مصلحته فوق كل مصلحة، والبعد عن التشرذم والانقسام، وصيانة الدماء المصرية حتى تصل سفينة الوطن إلى بر الأمان وتبقى مصر حصن الأمن للجميع».
ولم يتوقف دور الأزهر عند دعم «٣٠ يونيو»، التى وصفتها بعض وسائل الإعلام الأجنبية بأنها أكبر ثورة بشرية فى التاريخ، بل دعا الدكتور الطيب المصريين إلى إنهاء حالة الانقسام التى تشهدها البلاد، وقد تجرها إلى كارثة محققة، مشددًا على أن وحدتهم فوق كل اعتبار.
وطالب شيخ الأزهر الجميع بتحمل مسئولياته أمام الله والوطن والتاريخ فى اتخاذ خطوات جادة وفاعلة للخروج العاجل من هذه الأزمة، تقديرًا لصوت الشعب الذى فاجأ العالم بإلهام حضارى جديد من خلال تعبيره الراقى عن مطالبه، وحقنًا للدماء، وصونًا للأعراض والأموال، وحفاظًا على الأمن القومى من التعرض للمخاطر المحدقة به داخليًا وخارجيًا.
وفى لحظة الحسم، دعا الفريق أول عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع حينها، الدكتور أحمد الطيب لعقد اجتماع فى ٣ يوليو، مع عدد من الشخصيات، بحضور البابا تواضروس وممثلين عن حزب «النور» وحركة «تمرد»، لإعلان بيان عزل محمد مرسى، والذى تم بمباركة الأزهر الشريف.
وعقب إلقاء الفريق أول عبدالفتاح السيسى بيان ٣ يوليو، أصدر شيخ الأزهر بيانًا جديدًا يتضمن ٤ أسس بنى عليها الأزهر موقفه من ثورة ٣٠ يونيو، وكانت بمثابة السند الشرعى للمؤسسات الوطنية لإنهاء حكم «الإخوان» الفاشى.
وذكر الأساس الأول أن قرار الدعم للثورة كان منعًا لصدام المصريين بسبب تصارع القوى السياسية، وتعنت جماعة «الإخوان». والأساس الثانى: الوقوف حائلًا ضد أى محاولة طائفية لمنع سيلان الدم المصرى.
واعتمد الشيخ الطيب فى الأساس الثالث على قانون الشرع الإسلامى الذى يقضى بأن ارتكاب أخف الضررين واجب شرعى، وأكد فى الأساس الرابع دعم قرار إجراء انتخابات رئاسية مبكرة يحتكم فيها الشعب إلى صندوق انتخاب يضمن نزاهته كل من القضاء والجيش والشرطة.
وأكد «الطيب» أن مصر أغلى من أن يسفك أبناؤها دماء بعضهم تحت أى شعار، وأن موقف الأزهر هو الانحياز لشعب مصر الأصيل، والحفاظ على وحدة المصريين وحُرمة الدم المصرى، لافتًا إلى أن ذلك هو منهج الأزهر وتاريخه دائمًا، مؤكدًا أن مصر تستحق من الجميع موقفًا وطنيًا صادقًا.




