مثل اي طفل صغير سألت ابي ذات يوم ببراءة عن معنى اسمي وسبب اختياره لي هاني
ابتسم يومها ثم اخذني الى حكاية اكبر من سني حكاية لم افهم عمقها الكامل الا بعدما مرت الاعوام وعلمتني كيف تخبئ الاقدار اسرارها في التفاصيل الصغيرة
قال ابي ان له زميل دراسة يسبقه بعام واحد في المرحلة الاعدادية باحدى مدارس وسط القاهرة وكان اسمه هاني شاكر لم تكن زمالة عابرة بل صداقة دافئة جمعت بين شابين يلتقيان عند شغف الفن ابي كان مولعا بكتابة الشعر والمشاركة في مسابقاته بينما كان هاني شاكر نجم فريق الموسيقى بالمدرسة يعزف الاورج كل صباح في طابور المدرسة ويغني بصوت يخطف القلوب قبل ان يعرفه الناس بسنوات طويلة
كان ابي يحدثني عن صوته باعجاب واضح وعن ذلك الفتى الذي بدا وكأنه خلق ليغني ثم فرقت الايام بينهما بينما مضى زميل الدراسة في طريقه نحو النجومية حتى صار لاحقا امير الغناء العربي ومن فرط المحبة ومن باب التفاؤل الجميل حملت انا اسمه فهاني كما قال ابي يأتي من الهناء والسعادة
منذ تلك اللحظة بدأت اتابع هاني شاكر بعين مختلفة كانت الاذاعة في بيتنا لا تصمت ابدا وكانت اغنياته تتسلل الى وجداني وانا طفل لا يفقه كل المعاني لكنه يشعر بصدق الاحساس اتذكر جيدا تأثري البالغ باغنية " بلدي " التي شاركه فيها الفنان محمد ثروت لم اكن افهم الكلمات كاملة لكن اللحن وصوته كانا كفيلين بان يتركا اثرا غامضا وعذبا في قلبي الصغير
ومع بدايات الشباب وتشكل الوجدان صار هاني شاكر مطربي الاقرب الى روحي لم يعد الامر متعلقا بحكاية الاسم فقط بل بذلك الاحساس النادر الذي يخرج من صوته فيصيب القلب مباشرة ارتبطت اغنياته بمحطات كثيرة من عمري وصارت جزءا من ذاكرتي الشخصية وكابناء جيلي كانت جدران غرفتي تحمل صوره التي تنشرها مجلات مثل " الكواكب " و" الموعد " وكنت احرص على حجز النسخ الاصلية من شرائط الكاسيت قبل صدورها
ثم رحل ابي بينما كنت اخطو خطواتي الاولى في العمل الصحفي وقتها تحول الحلم الصغير بداخلي الى امنية اكبر تمنيت فقط ان التقي هاني شاكر يوما ان اراه عن قرب ثم تطورت الامنية الى رغبة في اجراء حوار صحفي معه لكن القدر كان اكثر كرما مما تخيلت
قبل اربعة وعشرين عاما وفي الاسكندرية جمعتنا الصدفة لاول مرة بعد انتهاء احدى المناسبات اقتربت منه هامسا
انا هاني ابن سامي زميلك في مدرسة......
وما ان ذكرت اسم ابي والمدرسة حتى امسك بيدي فجأة وعانقني بعاطفة ابوية خالصة لم يكن موقفا عابرا بل لحظة انسانية دافئة لا تنسى تبادلنا ارقام الهواتف ومع الايام اصبحت علاقتنا اقرب واكثر عمقا حتى صار من اقرب الناس الى قلبي
كنت حريصا دائما ان تبقى علاقتي به انسانية قبل اي شيء وهو ادرك ذلك دون ان يقال، كان يدعوني بنفسه الى حفلاته ويوصي المنظمين باسمي لادخل الى الكواليس قبل صعوده المسرح كنا نتبادل الحديث لدقائق قصيرة لكنها ممتلئة بالود واذكر انني طلبت منه ذات مرة ان يغني اغنية احبها فضحك بعفويته المعهودة وقال
" ما عملناش عليها بروفة يا فقري بس هنغنيها عشان خاطرك "
مرت السنوات وكبر الود بيننا وفي احدى المرات فوجئت باتصال منه يخبرني فيه انه يتعرض لضغوط كبيرة للترشح لمنصب نقيب الموسيقيين وسألني عن رأيي قلت له ان المسؤولية شاقة لكنها تليق بقيمة فنية وانسانية مثله وان الموسيقيين يحتاجون الى اسم بقيمته الفنية والانسانية وقبل ان ينهي المكالمة قال لي بصوته الهادئ
" كل اللي حواليا موافقين والتيار العام عايزني وتقريبا انا موافق بس كان مهم عندي اسمع رأيك "
كان ذلك الاتصال بالنسبة لي اكبر من مجرد مكالمة كان معنى عميقا للمحبة والثقة
وطوال سنوات صداقتنا كنت اناديه دائما سمو الامير في المرة الاولى ضحك كثيرا من اللقب لكن العجيب ان الكلمة ظلت تحتفظ ببريقها كلما قلتها فأسمع ضحكته الصافية ذاتها كأنها لم تفقد دهشتها الاولى ابدا
رحيل هاني شاكر بالنسبة لي ليس خبرا عابرا ولا غياب مطرب احببته فقط بل يشبه غياب جزء من الروح قطعة ممتزجة بكل الذكريات الجميلة التي عبرت العمر
ولا ابالغ حين اقول ان قلبي مثقل بحزن عميق وكأن الحلم الذي رافقني منذ الطفولة قد انطفأ فجأة تاركا داخلي كدرا على نهاية " الحلم الجميل "
أخبار متعلقة :