موقع تن لاينز الإخباري

شيخ الأزهر ولجنة المصالحات .. بين العفو المشروع وحقوق الضحايا الغائبة

في الوقت الذي تتجدد فيه المبادرات المجتمعية لإنهاء الخصومات والثأرات في صعيد مصر، يبرز دور المؤسسات الدينية والوطنية في دعم السلم الأهلي وحقن الدماء، باعتباره هدفاً نبيلاً تسعى إليه الدولة والمجتمع على حد سواء. غير أن هذا الملف الشائك يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود المصالحات العرفية، ومدى قدرتها على تحقيق العدالة الحقيقية، خاصة في القضايا الجنائية الكبرى التي خلفت وراءها قتلى وأسرًا مكلومة لا تزال تعيش مرارة الفقد وألم الفراق.

وخلال الأيام الماضية، شهد مركز أبنوب بمحافظة أسيوط جلسات صلح أنهت واحدة من قضايا الثأر، وذلك بحضور ممثلين عن الأزهر الشريف وعدد من القيادات الشعبية والتنفيذية، في مشهد لاقى ترحيباً واسعاً من قطاعات عديدة رأت فيه خطوة إيجابية نحو إطفاء نار العداوات الممتدة لسنوات طويلة وخاصة إتصال شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بالأهالي لدعمه في إنهاء الخصومات وسط ترحيب كبير بين الأهالي.

لكن في المقابل، برزت أصوات أخرى تؤكد أن المصالحة المجتمعية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن العدالة أو وسيلة لإهدار حقوق الضحايا، خاصة أن لجان المصالحات أو المجالس العرفية ليست جهات قضائية رسمية، ولا تمتلك سلطة إسقاط العقوبات الجنائية أو الحلول محل محاكم الدولة التي أناط بها الدستور والقانون مهمة الفصل في الجرائم وتطبيق العقوبات.

فالقانون المصري واضح في هذا الشأن؛ إذ إن جرائم القتل العمد وغيرها من الجرائم الجنائية تخضع لاختصاص القضاء وحده، ولا يترتب على أي اتفاق عرفي أو تنازل أمام لجان المصالحات سقوط المسؤولية الجنائية أو إلغاء العقوبات المقررة قانوناً. كما أن محاضر الجلسات العرفية لا تكتسب صفة الإلزام القضائي إلا في نطاقات مدنية محدودة ووفق إجراءات قانونية محددة.

وتأتي هذه المخاوف في ظل حالة من الجدل المجتمعي حول أداء بعض لجان المصالحات خلال السنوات الأخيرة، حيث يرى منتقدون أن بعض المتصدرين للمشهد العرفي يسعون أحياناً إلى تحقيق حضور اجتماعي أو إعلامي أكثر من اهتمامهم بجوهر العدالة وإنصاف المظلومين، ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن معالجة النزاعات لا يمكن أن تتم عبر التقاط الصور التذكارية أو الإعلان عن إنهاء الخصومات فحسب، بينما تبقى الجراح مفتوحة داخل قلوب أسر فقدت أبناءها وآباءها وإخوتها في جرائم قتل هزت وجدان المجتمع.

كما أن بعض الوقائع التي شهدتها محافظات الصعيد خلال الفترة الأخيرة ساهمت في زيادة حالة الشكوك تجاه بعض الشخصيات التي كانت تقدم نفسها كوسطاء للصلح المجتمعي، قبل أن تتكشف لاحقاً اتهامات أو ممارسات أثارت استياء الرأي العام، الأمر الذي دفع كثيرين للمطالبة بإعادة تنظيم هذا الملف ووضعه في إطار أكثر مؤسسية وانضباطاً من قبل الأزهر الشريف والجهات الأمنية المختصة باختيار شخصيات ووضع شروط ومعايير متفق عليها في اختيار الأعضاء وكذلك تقييمهم ومراقبتهم باستمرار حتى بعد تفعيلهم للعمل.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به الأزهر الشريف، باعتباره المؤسسة الدينية الأكبر والأكثر احتراماً وثقة لدى المصريين. فالمطلوب اليوم ليس فقط المساهمة في إنهاء الخصومات، وإنما تأسيس رؤية متكاملة تجمع بين تحقيق السلم الاجتماعي وصون حقوق الضحايا واحترام أحكام القانون.

ويطرح عدد من المهتمين بالشأن المجتمعي فكرة تشكيل لجنة موحدة تحت مظلة الأزهر الشريف تضم علماء دين ورجال أمن مشهوداً لهم بالعلم والاعتدال والخبرة الاجتماعية، تكون مهمتهم المشاركة في جهود الإصلاح المجتمعي وفق ضوابط شرعية وقانونية واضحة، بعيداً عن المصالح الشخصية أو الاعتبارات القبلية الضيقة، واختيار الشخصيات بهناية جيدة ووضع شروط ومعايير متفق عليها في اختيار الأعضاء وكذلك تقييمهم ومراقبتهم باستمرار .

فالإسلام ذاته جعل العفو فضيلة عظيمة وأجراً كبيراً لمن اختاره طواعية، لكنه في الوقت نفسه أرسى مبدأ العدالة والقصاص وعدم التهاون في حقوق العباد، وشرع القصاص باعتباره ضمانة لحماية المجتمع وردع المجرمين وحفظ الأرواح وإنصاف الحقوق، ولذلك فإن التوازن بين العفو والعدالة يظل ضرورة لا غنى عنها لضمان استقرار المجتمع ومنع تكرار الجرائم.

إن نجاح جلسات الصلح الأخيرة في أبنوب وغيرها من المناطق برعاية شيخ الأزهر الشريف شخصياً يمثل رسالة إيجابية تؤكد قدرة المجتمع المصري على تجاوز الأزمات ونبذ العنف والثأر، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تطوير منظومة المصالحات المجتمعية بحيث تكون داعمة للقانون لا بديلاً عنه، ومساندة للعدالة لا خصماً لها ، وإرساء الحقوق لأصحابها.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تشهد المرحلة المقبلة إطاراً أكثر تنظيماً لهذا الملف، يضمن حقن الدماء وحماية النسيج الاجتماعي، وفي الوقت نفسه يحفظ حقوق الضحايا ويؤكد أن العدالة وسيادة القانون هما الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، وأن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط بإغلاق ملفات الخصومات، بل بتحقيق الإنصاف لكل الأطراف وترسيخ الثقة في مؤسسات العدالة.

فالمجتمعات لا تستقر بالعفو وحده ولا بالعقاب وحده، وإنما بالتوازن الدقيق بين الرحمة والعدل، وبين التسامح وصيانة الحقوق، وهي المعادلة التي ينتظر المواطنون أن تجد طريقها إلى التطبيق العملي في كل قضايا المصالحات مستقبلاً.

أخبار متعلقة :