مر علينا منذ أيام قليلة شهر مايو، وهو فى حقيقة الأمر من الأشهر المهمة فى التاريخ المصرى. وتأتى أهميته ليس فقط من طبيعة الأحداث التى وقعت فيه، إنما أيضًا من الأثر الذى تركته على مجرى حركة التاريخ المصرى.
فى هذا المقال القصير نسبيًا سأُشير إلى بعض الأحداث المهمة التى جرت فى شهر مايو، وكما ذكرنا سابقًا انعكس أثرها على التاريخ المصرى. وسأبدأ بأكثر الأحداث أهمية من وجهة نظرى، بالنسبة لشهر مايو، وأقصد بذلك مايو ١٩٤٨، إذ شهد هذا الشهر حدثًا مؤثرًا، بل ومفصليًا، ليس فقط فى التاريخ المصرى، بل فى التاريخ العربى، ولا أبالغ إن قلت فى التاريخ العالمى، وهو إعلان قيام دولة إسرائيل «الكيان الصهيونى». وكان هذا الإعلان هو ثمرة صراع طويل دار على أرض فلسطين، بين سكانها العرب والمنظمات الصهيونية، التى أطلقنا عليها للأسف من أجل التهوين من شأنها، وبشكل عاطفى، العصابات الصهيونية، بينما كانت فى الحقيقة جماعات منظمة عسكريًا، شكلت نواة تكوين الجيش الإسرائيلى فى عام ١٩٤٨.
يعتبر هذا الحدث غاية فى الأهمية، نظرًا لما ترتب عليه من تحول أنظار مصر إلى الجبهة الشرقية، وكان ذلك فى حقيقة الأمر تحولًا كبيرًا، سيترتب عليه خوض مصر سلسلة من الحروب المتتالية: ١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣. وفى الوقت نفسه ترتب على هزيمة الجيوش العربية وحدوث ما سُمىّ بالنكبة فى عام ١٩٤٨، إسراع جزء مهم من الجيش المصرى، وهو ما أُطلِق عليه الضباط الأحرار، وتيرة التحرك الداخلى، والقيام بحركة الضباط الأحرار فى ٢٣ يوليو، والتى تحولت إلى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢. ويؤكد جمال عبدالناصر ذلك فى كتابه «فلسفة الثورة»، إذ يشير إلى النقاش الذى دار على أرض فلسطين- أثناء الحرب- بينه وبين البطل أحمد عبدالعزيز: «إن العدو ليس هنا، ولكن فى القاهرة».
الحدث الثانى من حيث الأهمية هو مايو ١٩٦٧، والذى يعتبر بحق من مقدمات الحدث الأكبر فى التاريخ المصرى ٥ يونيو ١٩٦٧، إذ كان شهر مايو من أشد شهور السنة سخونة فى مجال الصراع العربى الإسرائيلى. حيث حدثت مناوشات عنيفة على الجبهة السورية، مع تسرب شائعات عن قرب حدوث غزو إسرائيلى لسوريا. ترتب على ذلك بعض القرارات المهمة والخطيرة من جانب مصر، تمثلت فى سحب قوات الطوارئ الدولية من شرم الشيخ، وبالتالى إغلاق مصر خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية، مما اعتُبِر فى القانون الدولى بمثابة إعلان حرب من جانب مصر على إسرائيل. واتخذت إسرائيل هذا الأمر ذريعة فى عدوانها على مصر فى ٥ يونيو ١٩٦٧.
الحدث المهم الثالث هو ما جرى فى ١٥ مايو ١٩٧١، الذى أطلق عليه الرئيس السادات «ثورة التصحيح»، حيث قام السادات باعتقال خصومه من السياسيين، ومعظمهم وزراء أو قيادات فى الاتحاد الاشتراكى. المثير فى الأمر هو إطلاق مصطلح «ثورة» على هذا الأمر، بل رأى فيها السادات أنها ثورة تصحيحية للثورة الأم، ثورة ٢٣ يوليو. والحق أنها كانت صراعًا بين أجنحة فى الحكم، بدليل انحياز هيكل إلى جانب السادات فى هذا الصراع، ضد بعض رموز الناصرية. على أى حال لم يتبقَ مما سُمىّ بـ«ثورة التصحيح» إلا كوبرى ١٥ مايو، والمدينة المنحوسة باسمها التى لم تتطور كثيرًا: مدينة ١٥ مايو!
أخبار متعلقة :