سلطت صحيفة الجارديان البريطانية الضوء على الرسائل السياسية والإنسانية التي حملتها الزيارة الأولى للبابا ليو إلى إسبانيا، والتي جاءت محملة بدعوات إلى نبذ الانقسام والاستقطاب السياسي والعمل من أجل السلام في عالم يشهد أزمات متلاحقة وصراعات متزايدة.
وفي خطاب افتتاحي ألقاه في مدريد بحضور العاهل الإسباني الملك فيليب السادس، حذر البابا من تصاعد الخطابات التي تقوم على تأجيج الانقسامات داخل المجتمعات لتحقيق مكاسب سياسية، مؤكدًا أن كرامة الإنسان ما زالت تتعرض لانتهاكات متكررة في أنحاء مختلفة من العالم.
وقال البابا إن النزعة إلى تحقيق الشعبية عبر تغذية الاستقطاب المجتمعي تبدو اليوم أكثر حضورًا من أي وقت مضى، داعيًا إلى تجاوز الروايات المبسطة والانقسامات الحادة، والبحث عن مساحات مشتركة تسمح بفهم أكثر عمقًا وتعقيدًا للواقع.
أول جولة أوروبية خارج إيطاليا
وأشارت الجارديان إلى أن زيارة إسبانيا تمثل أول جولة يقوم بها البابا في دولة عضو بالاتحاد الأوروبي خارج إيطاليا منذ انتخابه، وهو ما منح الزيارة أهمية سياسية ودينية خاصة.
وركز البابا خلال محطات الزيارة على الفئات الأكثر هشاشة داخل المجتمع، حيث التقى بمجموعات من المشردين في العاصمة مدريد، كما خصص جزءًا من برنامجه للقاء المهاجرين في جزر الكناري، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة واضحة بشأن موقفه من قضايا الهجرة والاندماج.
وأكد البابا أن الهدف من الزيارة هو تقديم نموذج قائم على احترام الإنسان بغض النظر عن خلفيته أو جنسيته أو ظروفه الاجتماعية.
انتقادات ضمنية لخطابات الكراهية
ورأت الصحيفة أن مواقف البابا تعكس استمرار نهجه الداعي إلى الانفتاح على المهاجرين ورفض السياسات التي تقوم على الإقصاء أو التخويف من الأجانب.
وتأتي هذه الرسائل في وقت تشهد فيه العديد من الدول الأوروبية والغربية صعودًا للتيارات الشعبوية وتزايدًا في الخطابات المناهضة للهجرة، بينما تتبنى إسبانيا سياسة أكثر انفتاحًا مقارنة بالعديد من جيرانها الأوروبيين.
وأطلقت حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال الفترة الماضية برنامجًا يتيح لمئات الآلاف من المهاجرين تسوية أوضاعهم القانونية والحصول على الإقامة، في خطوة اعتُبرت استثناءً داخل المشهد الأوروبي الحالي.
الذكاء الاصطناعي والانقسام المجتمعي
كما تطرق البابا إلى تأثير التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي على المجتمعات، محذرًا من دورها في تعميق الانقسامات وإضعاف قدرة الأفراد على الحوار والتأمل الذاتي.
وأشارت الجارديان إلى أن البابا سبق أن حذر في رسائل سابقة من المخاطر الأخلاقية المرتبطة بالتطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن البشرية تقف أمام مفترق طرق يتطلب وضع ضوابط أخلاقية واضحة لهذا التطور.
استدعاء تاريخ التعايش في إسبانيا
وخلال خطابه، استحضر البابا نماذج من التاريخ الإسباني، مشيرًا إلى فترات التعايش التي جمعت المسلمين والمسيحيين واليهود في شبه الجزيرة الإيبيرية خلال العصور الوسطى.
واعتبر أن هذا الإرث التاريخي يثبت أن ثقافة اللقاء والحوار أكثر قدرة على بناء الاستقرار والازدهار من ثقافة المواجهة والصراع، مؤكدًا أن السلام لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فكرة مثالية أو ساذجة، بل ضرورة إنسانية وسياسية ملحة.
لقاء مرتقب مع ضحايا الاعتداءات الجنسية
وفي أحد أكثر ملفات الزيارة حساسية، من المقرر أن يلتقي البابا بعدد من الناجين من الاعتداءات الجنسية التي ارتكبها رجال دين داخل الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية.
واعترف البابا بأن هذه القضية لا تزال تمثل "جرحًا مفتوحًا"، مؤكدًا أهمية الاستماع إلى الضحايا والعمل على تحقيق العدالة لهم.
وتأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط متزايدة تواجهها الكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا لمراجعة تاريخها المرتبط بالتستر على الانتهاكات، خاصة بعد تقارير رسمية تحدثت عن وجود أعداد كبيرة من الضحايا على مدار عقود.
من جهته، أشاد الملك فيليب السادس بمواقف البابا في هذا الملف، مؤكدًا أن الوضوح والحزم ضروريان لتعافي الضحايا وإصلاح الضرر الذي لحق بهم وبالمجتمع.
شعبية متزايدة للكاثوليكية بين الشباب
ولفتت الجارديان إلى أن الزيارة تأتي في وقت تشهد فيه إسبانيا ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد الشباب الذين يعرّفون أنفسهم ككاثوليك، حيث ارتفعت النسبة من 17.6% عام 2010 إلى نحو 28.8% في عام 2025.
واحتشد آلاف الأشخاص في شوارع مدريد لاستقبال البابا خلال جولته في المدينة، في أول زيارة بابوية لإسبانيا منذ عام 2011.
مزحة حول نجم الموسيقى العالمي
وفي لمسة طريفة، تناول البابا خلال رحلته إلى إسبانيا الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها المغني البورتوريكي الشهير باد باني، والذي يحيي سلسلة حفلات في مدريد بالتزامن مع الزيارة البابوية.
وقال مازحًا إنه إذا خُير الشباب بين حضور حفل لباد باني أو رؤية البابا، فمن المرجح أن يختار كثيرون الحفل الموسيقي، قبل أن يضيف مبتسمًا أن هناك أيضًا من يرغب في رؤية البابا.
أخبار متعلقة :