موقع تن لاينز الإخباري

​الدستور تكشف معجزة العمارة الحيوية.. كيف تحول "الجدران الصامتة" يرقات النحل إلى ملكات؟

شهدت الأوساط العلمية مؤخرًا كشفًا مثيرًا يعيد كتابة المفاهيم المستقرة منذ قرون حول عالم النحل وكيفية صناعة "الملكة"، بعد أن ظل الاعتقاد السائد لفترات طويلة يختزل السر كله في "الغذاء الملكي".

​وفي تصريحات خاصة لـ "الدستور"، كشف الأستاذ الدكتور يحيى النجار، أستاذ بيولوجيا النحل بقسم علم الحيوان بكلية العلوم جامعة طنطا، عن أسرار دراسة حديثة منشورة في مجلة "Nature" العالمية، تثبت أن العمارة وهندسة البيوت الشمعية للنحل تتدخل بشكل حاسم ومباشر في تحديد مصير اليرقات وتحويلها إلى ملكات، في تناغم مبهر يجمع بين التطور الجيني وبناء البيئة المحيطة.

وعلق"النجار" على النظرة التقليدية التي كانت تمنح "الغذاء الملكي" الصدارة المطلقة في صناعة الملكات، قائلًا:

​"لفترة طويلة ركز العلماء على الغذاء الملكي باعتباره العامل الأساسي في إنتاج الملكة، وهو بالفعل عامل مهم للغاية، لكن دراستنا كشفت أن بيت الملكة نفسه ليس مجرد وعاء شمعي أو غرفة سكنية لليرقة، بل بيئة متخصصة تبنيها الشغالات بعناية فائقة".

​وأوضح أن الفحوصات الدقيقة أظهرت أن "بيوت الملكات" تختلف جوهريًا في تركيبها الكيميائي وخصائصها الميكانيكية عن عيون الشغالات العادية، مؤكدًا أن الملكة ليست نتاج الغذاء وحده، بل هى ثمرة تفاعل معقد وفوري بين التغذية والبيئة الفيزيوكيميائية المتخصصة التي توفرها الشغالات حول اليرقة. وأضاف ممتنًا لعظمة الطبيعة: "وما يثير الدهشة أن هذه البنية المعقدة كانت موجودة أمام أعيننا منذ آلاف السنين، لكننا بدأنا فقط في فهم دورها الحقيقي".

​وحول ما إذا كان النحل يمتلك "وعيًا هندسيًا" أو مخططات مسبقة تتيح له التحول إلى مهندس متخصص عند بناء بيوت الملكات، أجاب أستاذ بيولوجيا النحل بـ "علوم طنطا" من منظورين، ​المنظور العلمي: النحل لا يمتلك وعيًا هندسيًا بالمعنى البشري، لكنه يؤدي سلوكيات مدهشة ومنظمة بدقة كبيرة تثير الذهول، وكعلماء، نركز على دراسة كيفية تنفيذ الشغالات لهذه السلوكيات المعقدة، وآليات التعاون الجيني والفسيولوجي والنسخي فيما بينها لإنتاج هذا البناء المتقن بمواصفات قياسية.

​المنظور الإيماني: أشار النجار إلى أن هذه القدرة الفريدة وهذا الإتقان الهندسي الحشري يقودان مباشرة إلى التدبر والتأمل في آيات الله

وتابع: "كلما تعمقنا في دراسة النحل، اكتشفنا مستويات جديدة وغير مسبوقة من التعقيد والإبداع في سلوك هذا الكائن الصغير".

​ماذا لو غاب "البيت الملكي"؟

​وأجاب " النجار" عن سؤال  "ماذا لو عزلنا يرقة ملكية مستقبلية في معمل معقم وأطعمناها أطنانًا من الغذاء الملكي دون أن تلمس جدران بيتها الخاص؟"، وصف الدكتور النجار هذا التساؤل بأنه "من أكثر الأسئلة إثارة للاهتمام في بيولوجيا الحشرات"، موضحا أن الفرضيات القديمة كانت تجزم بأن الغذاء وحده يكفي لإنتاج ملكة كاملة الخصوبة والصفات، أما نتائجنا الحالية فتشير إلى عكس ذلك؛ البيئة الفيزيائية التي توفرها بيوت الملكات (من ضغط، ورطوبة، واهتزازات، وتركيب شمعي) تعد جزءًا حرجًا ومكملًا لعملية التطور النمائي، وبالتالي فإن إزالة هذه البيئة أو حرمان اليرقة منها قد يؤثر سلبًا في بعض صفات الملكة الناتجة أو جودة تطورها الفسيولوجي".

 وأكد أن حسم الإجابة بدقة مطلقة يفتح الباب لمزيد من الدراسات والتجارب المختبرية المتخصصة في الفترة المقبلة.

​عصر "العمارة الحيوية"

و​لم تتوقف أبعاد الدراسة عند حدود فهم خلايا النحل فحسب، بل امتدت لتطرح رؤية فلسفية وعلمية جديدة لما يُعرف بـ "الهندسة الحيوية"، وقال الدكتور يحيى النجار لـ "الدستور" أن الدراسة تفتح بالفعل مجالات جديدة تمامًا، قائلًا: "إحدى الرسائل المحورية للبحث هى أن الكائنات الحية لا تكتفي بالتأثر ببيئاتها المحيطة سلبيًا، بل تقوم بنشاط واعٍ وبنائي لتشييد بيئات مخصصة تؤثر بشكل رجعي على تطور جيناتها ومسار حياتها".

​هذا المفهوم يثبت أن عمارة البيوت لبعض الكائنات ليست مجرد غطاء للحماية من الأمطار أو المفترسين، بل هي "مختبر تطويري" متكامل يؤثر في تطور الأفراد، وهو ما يمكن إسقاطه مستقبلًا على مجالات علمية أخرى تخص كائنات حية أرقى، وحتى في دراسة تأثير العمارة والبيئة المبنية على صحة وتطور البشر.

أخبار متعلقة :