موقع تن لاينز الإخباري

الوداع الأخير لأيام الترام.. كيف تحول من وسيلة مواصلات إلى حكاية في ذاكرة المدينة؟

على رصيف محطة الرمل، حيث كان "الجرس" يعلن عن قدوم رفيق الرحلة اليومي، لم يعدهناك سوى صمت مطبق، وقضبان انتُزعت لتتحول إلى جراجات صماء.. لكن في أروقة "متحف الإسكندرية القومي" ثمة حياة أخرى رُسمت بالضوء والظلال، تحاول أن تستعيد شريان المدينة الذي توقف عن النبض.


هناك.. لا تشاهد صورا فوتوغرافية فحسب، بل تسمع أنين ذاكرة مهددة بالاختفاء وتشاهد بأم عينك وأد ذكريات أجيال وأجيال، حيث تعرض المصورة إيمان عراقي مشروعها  "حساب الرحلة الأخيرة" في معرض "تروماي ٢٠٢٦".

 

هناك، لا يشاهد الزائر مجرد صور معلقة على الجدران، بل يقف أمام حكايات كاملة عن مدينة تفقد جزءًا من روحها، فوجوه تودع ونوافذ تغلق على ذكريات عمرها عشرات السنين، وعيون تنظر إلى المجهول.

وسط هذه الحكايات، تقف المصورة السكندرية إيمان عراقي بمشروعها "حساب الرحلة الأخيرة"، أحد أبرز المشاريع المشاركة في معرض "حكاوى تروماي الرمل"، وكأنها تؤرخ بالفن للحظة وداع لم تكن تخص وسيلة مواصلات فقط، بل تخص مدينة بأكملها.

إيمان عراقي.. حلم تأخر كثيرًا لكنه لم يمت

لم تكن رحلة إيمان إلى عالم التصوير رحلة تقليدية، فالمصورة السكندرية، البالغة من العمر 39 عامًا، لم تدرس الفن أكاديميًا كما كانت تتمنى، وكانت تحلم منذ صغرها بالالتحاق بكلية الفنون الجميلة، لكن الظروف أخذتها إلى طريق مختلف، فتخرجت في كلية التجارة بجامعة الإسكندرية، ثم انشغلت ببيتها وأسرتها وتربية طفليها.

 

مرت السنوات وكبر الأبناء.. لكن الحلم ظل حاضرًا في مكانه، وفي حديثها للدستور، تروي إيمان اللحظة الفاصلة التي جاءت بعدما أصبح لديها متسع من الوقت لتلتفت إلى نفسها من جديد، حيث في عام 2017 قررت أن تمنح حلمها فرصة أخرى، فالتحقت بأحد أندية التصوير في الإسكندرية، وبدأت تتعلم وتشارك في الورش والرحلات الفنية، قبل أن تتحول الهواية تدريجيًا إلى شغف حقيقي ثم إلى مهنة ومسار حياة.

وبمرور الوقت، استطاعت أن تثبت موهبتها في مجال تصوير الشارع، لتحصد جوائز محلية وعربية ودولية، من بينها جائزة "Worldwide Photo Walk" العالمية عام 2020، وجائزة "هيبا" في الإمارات، وثلاثة مراكز أولى في مسابقات اتحاد المصورين العرب، فضلًا عن عدد من الجوائز المحلية الأخرى.

لكن رغم كل هذه الإنجازات، لا تتحدث إيمان كثيرًا عن الجوائز، بقدر ما تتحدث عن الناس.

مصورة الشارع التي تبحث عن الحكايات

وصفت إيمان نفسها دائمًا بأنها "مصورة شارع"، وهنا الفرق كبير بين مصور يلتقط صورة ويرحل، ومصور يقف ليستمع إلى الحكاية كاملة، فهي لا ترى الأشخاص مجرد عناصر داخل الكادر، بل أبطالًا لقصص تستحق أن تُروى، حيث تجلس مع من تصورهم وتستمع إليهم وتحاول أن تعرف تفاصيل حياتهم قبل أن تضغط على زر الكاميرا.

ومن أكثر الصور قربًا إلى قلبها صورة "عم فوكس"، بائع السمك البسيط في منطقة كوم الدكة، والتي حصدت بها إحدى الجوائز المهمة، لكن ما أسعدها في هذه الصورة لم يكن الفوز نفسه، بل أن الصورة صنعت شهرة لصاحبها أيضًا، فأصبح كثيرون يقصدونه لالتقاط الصور والتعرف على قصته، موضحة إيمان بذلك أن هذا هو المعنى الحقيقي للصورة، أن تمنح شخصًا بسيطًا فرصة ليُرى ويُسمع.

حين تحول الترام إلى ذكرى

عندما طُرحت فكرة معرض "حكاوى تروماي الرمل"، لم تحتج إيمان إلى وقت طويل للتفكير، فالترام بالنسبة لها وبالنسبة لأجيال من أبناء الإسكندرية، لم يكن مجرد وسيلة مواصلات، بل كان جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، حيث كان رحلة إلى المدرسة أو إلى الدروس أو إلى البحر، كما كان فسحة مجانية تسمح للناس بمشاهدة المدينة ببطء والتأمل في شوارعها ووجوهها.

ولهذا شعرت إيمان مثل كثير من السكندريين، أن اختفاء الترام لا يعني اختفاء وسيلة نقل فقط، بل اختفاء جزء من هوية المدينة، معبرة عن ذلك بقولها: "الترام بالنسبة لنا لم يكن مترو أو قطر وخلاص، كان ذكريات طفولة كاملة.. كنا نركبه بمزاج علشان نتفرج على المدينة من الشباك.. ولما بدأ يختفي حسينا إنهم انتزعوا مننا حاجة بنحبها".

حساب الرحلة الأخيرة

من هنا جاءت فكرة مشروعها، والذي اختارت له اسم "حساب الرحلة الأخيرة"، وهو اسم يحمل كل ما شعرت به في تلك اللحظة، فهي لم تنزل لتوثق الترام كجسم معدني يتحرك فوق القضبان، بل نزلت لتوثق مشاعر الوداع، بل إنها اقترحت على المصورين المشاركين أن يخرجوا جميعًا في جولة تصوير جماعية، لكن بعين مختلفة، وطلبت منهم أن يتعاملوا مع الترام وكأنهم يودعونه للمرة الأخيرة.. أن يصوروا إحساس الفقد لا مجرد شكل العربة.

ولهذا جاءت صورها بالأبيض والأسود، وهو لم يكن اختيارًا جماليًا فقط، بل محاولة لتجريد المشهد من كل ما يشتت الانتباه، حتى يبقى الشعور وحده حاضرًا أمام المتلقي، فاللون الأبيض والأسود، كما تقول يعيد الإنسان تلقائيًا إلى الماضي، ويمنح الصورة مساحة أكبر لاستدعاء الذكريات.

نظرة الكمساري التي لا تغيب

ورغم عشرات الصور التي خرجت بها من المشروع، ما زالت هناك صورة واحدة تطاردها، فصورة أحد العاملين في الترام وهو ينظر إلى مرآة العربة، مؤكدة أنها رأت في عينيه سؤالًا لم تستطع نسيانه، وهو سؤالًا عن المستقبل وعن المصير وعن البيوت التي قد تتأثر برحيل الترام.

وبينما كان كثيرون ينظرون إلى القضية باعتبارها قضية تطوير أو تغيير في وسيلة النقل، كانت هي ترى وجوهًا بشرية تحمل قلقًا حقيقيًا تجاه ما هو قادم، لذلك جاءت الصورة وكأنها حوار صامت بين الرجل ونفسه، وكأن المرآة لم تكن تعكس وجهه فقط، بل تعكس مخاوفه أيضًا.

 

الصورة التي تنقذ الذاكرة

أوضحت إيمان بأنها مؤمنة بأن مهمة المصور لا تقتصر على إنتاج صورة جميلة بل الصورة بالنسبة لها وثيقة وشاهد وأحيانًا تكون الشيء الوحيد الباقي بعد اختفاء كل شيء، ولهذا تحرص دائمًا على توثيق الأماكن قبل أن تتغير، فهي صورت حدائق المنتزه قبل أن تتبدل ملامحها، وصورت أنطونيادس قبل التطوير، كما وثقت تفاصيل كثيرة من الإسكندرية تعرف جيدًا أن الأجيال القادمة ربما لن تراها كما رأتها هي.

وتابعت: نحن اليوم نعرف شكل مصر قبل عشرات السنين بفضل صور حفظت ملامح الشوارع والناس والبيوت، ولذلك ترى أن مسؤولية المصور الحقيقية هي حماية الذاكرة من النسيان.

 

الوداع الذي ما زال مستمرًا

أكثر ما يؤلم إيمان ليس اختفاء الترام نفسه، بل المشاهد التي ما زالت تراها حتى الآن، فتحدثت سيدات مسنات يجلسن على مقاعد المحطات القديمة في انتظار الترام، وعن أشخاص لا يتابعون مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يستوعبوا بعد حجم التغيير الذي حدث، فقط هم يجلسون منتظرين وسيلة المواصلات التي اعتادوا عليها لسنوات طويلة، وكأنهم ينتظرون صديقًا تأخر في الحضور.

لفتت إلى إن هذا المشهد وحده كافٍ لشرح معنى الفقد، فالأماكن لا ترحل وحدها، بل تترك خلفها فراغًا كبيرًا في قلوب من اعتادوا وجودها.

وعندما سُئلت: لو كان لكل صورة في مشروعك صوت، ماذا كانت ستقول صمتت قليلًا قبل أن تجيب بكلمة واحدة: "الوداع".. حيث كانت تلك الكلمة هي الخيط الذي ربط كل صور المشروع ببعضها.. الوداع في نظرة الراكب من النافذة.. والوداع في يد الكمساري.. والوداع في القضبان التي اختفت من الشوارع.. والوداع في مدينة تحاول أن تتصالح مع غياب أحد أقدم ملامحها.

هنا، لم تكن إيمان عراقي توثق اختفاء الترام فقط، بل كانت توثق شيئًا أكبر بكثير، بل كانت توثق اللحظة التي يلتفت فيها الإنسان إلى ماضيه قبل أن يغادر وتحاول أن تحفظ للإسكندرية ما يمكن حفظه من ذاكرتها.

فربما تتغير المدن، وتتبدل الشوارع، وتختفي وسائل النقل، لكن الصورة الصادقة تظل قادرة على فعل شيء واحد لا يستطيع الزمن هزيمته: أن تجعل الرحلة الأخيرة... لا تنتهي أبدًا... فبين حلم تحقق، وذكرى تغادر، التقطت عراقي صورتها الأصدق.. "صورة الرحلة الأخيرة".

أخبار متعلقة :