يمثل اليوم العالمي للمحيطات في 8 يونيو من كل عام، مناسبة دولية أقرّتها الأمم المتحدة لزيادة الوعي بالدور الحيوي الذي تلعبه المحيطات في حياة البشرية، ولحشد الجهود العالمية من أجل إدارتها وحمايتها بشكل مستدام، باعتبارها ضرورة استراتيجية لتأمين مستقبل البشرية.
وبحسب مركز إعلام الأمم المتحدة، يغطي المحيط أكثر من 70% من سطح الأرض، وينظم المناخ، ويحافظ على التنوع البيولوجي، ويدعم الاقتصادات والثقافات في جميع أنحاء العالم، إنه أساس الحياة على كوكب الأرض، ولكن مع ذلك، يتعرض المحيط لضغوطات ويواجه تهديدات متعددة في المستقبل لا تهدد صحته فحسب، بل تهدد مستقبل البشرية جمعاء.
وقد أمضى نحو 550 خبيرا من 86 دولة نحو خمس سنوات في إعداد تقييم شامل من 1600 صفحة، يُفصّل التحديات التي يواجهها المحيط، ويقدم هذا الدليل العلمي المعرفة التي تحتاجها البشرية لحماية كوكب الأرض والحفاظ عليه، ويُعرف هذا التقييم باسم "تقييم المحيط العالمي".
ووفقًا للتقييم العالمي، فإن للمحيط أهمية بالغة للناس في كل مكان وذلك على النحو التالي: يُؤثر المحيط في حياة كل فرد يوميا، حتى وإن لم يكن من سكان المناطق الساحلية، يُساهم المحيط في استقرار المناخ من خلال امتصاص معظم الحرارة الزائدة على كوكب الأرض، بالإضافة إلى الحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري الضارة، وبدون تأثيره المُبرّد، يُتوقع حدوث طقس أكثر تطرفا، مما يُهدد النظم الغذائية وسلاسل الإمداد، وأسواق التأمين.
كما تنبع أهمية المحيط من كونه مصدرا للغذاء، فعندما تنهار مخزونات الأسماك أو تتعطل سلاسل الإمداد بسبب تأثيرات المناخ أو الصيد غير القانوني، ترتفع الأسعار، ليس فقط للمأكولات البحرية، بل للعديد من الأطعمة التي تعتمد على التجارة العالمية والاقتصادات الساحلية، ويوفر المحيط فوائد صحية نفسية وجسدية، وأدوية، ونسبة كبيرة من الأكسجين الذي نتنفسه، وأخيرًا، يدعم المحيط تريليونات الدولارات من التجارة العالمية والسياحة وفرص العمل.
ومع تطورات العالم وبحسب التقييم الأممي، فإن البشر يعيدون تشكيل النظم البيئية البحرية. إذ بلغ عدد سكان العالم 8.2 مليار نسمة في عام 2024، يعيش 37% منهم على بُعد 100 كيلومتر من الساحل، وقد أدى ذلك حتما إلى تركيز النشاط البشري والاقتصادي في المناطق الساحلية الهشة، مما زاد من استخراج الموارد الطبيعية، وتوسيع البنية التحتية، وتصريف النفايات، وتدهور الموائل.
وفي الوقت نفسه، تشهد المشروعات في عرض البحر تصاعدا ملحوظا؛ حيث تعمل مزارع الرياح والبنية التحتية للنفط في المياه العميقة وتوسيع كابلات وخطوط أنابيب قاع البحر على تغيير الموائل بعيدا عن الشاطئ.
ووفقًا للتقييم، فإن تغيّر المناخ يُغيّر الظروف، وبالتالي فإن البيانات المتعلقة باحترار المحيط وارتفاع مستوى سطح البحر مُذهلة، حيث تضاعف معدل ارتفاع مستوى سطح البحر، نتيجة ذوبان القمم الجليدية وتمدد المياه بفعل ارتفاع درجة الحرارة، من 1.9 ملم/سنة قبل عام 2015 إلى 4.3 ملم/سنة في عام 2023، وترتفع درجات حرارة القطب الشمالي أسرع بأربع مرات من المتوسط العالمي.
كما أن تغير المناخ قد ترتب عليه، امتداد المناطق التي تعاني من نقص الأكسجين (أو المناطق الميتة)، حيث تنخفض مستويات الأكسجين إلى درجة لا تسمح لمعظم الكائنات البحرية بالبقاء على مساحة 4.5 مليون كيلومتر مربع، وحدث 16% من إجمالي الزيادة في درجات حرارة المحيط منذ عام 1955 بعد عام 2018.
وأكد التقييم الأممي أن الحياة البحرية تتعرض لضغوط شديدة، ومن مظاهر ذلك، انخفاض الشعاب المرجانية في منطقة البحر الكاريبي بنسبة 80% تقريبا منذ سبعينيات القرن الماضي. وقد يختفي 90% من الشعاب المرجانية العالمية إذا تجاوز الاحترار 1.5 درجة مئوية فوق المستويات الصناعية. وتستمر النظم البيئية الساحلية الحيوية، كأشجار المانغروف والأعشاب البحرية، في الانكماش.
وأما عن الظاهرة الثانية فتتجه أنواع الكائنات الحية من العوالق إلى الثدييات البحرية، نحو القطبين الشمالي والجنوبي مع ارتفاع درجات الحرارة، في حين تنتشر الأنواع غير الأصلية بسهولة أكبر في ظل الظروف البيئية المتغيرة.
وتعد الظاهرة الثالثة هي التلوث البحري آخذ في التزايد. يدخل المحيط سنويا 52 مليون طن من النفايات البلاستيكية، مما يساهم في تكوين ما يقدر بنحو 24 تريليون جسيم بلاستيكي دقيق، والتي من المعروف الآن أنها تؤثر على أكثر من 4000 نوع من الكائنات البحرية.
أما الرابعة يتزايد التلوث الكيميائي أيضا، حيث تم الكشف عن أكثر من 4000 مركب من المستحضرات الصيدلانية ومنتجات العناية الشخصية في المياه البحرية.
وذكر التقييم الأممي، أن النظم الغذائية البحرية تعد مصدرا حيويا للتغذية وسبل العيش، حيث توفر 20% من البروتين الحيواني الذي يستهلكه البشر على مستوى العالم. ويستمر الاستزراع المائي البحري في التوسع، وأصبح صناعة عالمية بقيمة 90 مليار دولار. إضافة إلى ذلك، يمارس 121 مليون شخص الصيد الترفيهي البحري، مما يُسهم في دعم الاقتصادات المحلية وتعزيز الرفاه.
ومع ذلك، فإن استقرار هذه الأنظمة مُعرّض للخطر بشكل متزايد: حيث تم استنزاف 37% من مخزون الأسماك في عام 2021. يُقدّر أن الصيد غير القانوني وغير المُبلّغ عنه وغير المُنظّم يُزيل ما بين 8 و14 مليون طن سنويا، ليدر ما بين 9 و17 مليار دولار من الإيرادات غير المشروعة. لا يزال تفشي الأمراض والتلوث والضغوط المناخية يشكّلون تحديا لاستدامة تربية الأحياء المائية البحرية ومصايد الأسماك على المدى الطويل.
ووفقًا للتقييم، تقدّر قيمة اقتصاد المحيط بـ 1.5 تريليون دولار سنويا، ومن المتوقع أن تتجاوز 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030. يدعم قطاع السياحة الساحلية والبحرية 174 مليون وظيفة. إذ تُبذل جهود لفهم الآثار المستمرة واستدامة إنتاج النفط والغاز في عرض البحر، فضلا عن النقل البحري الذي ينقل أكثر من 80% من التجارة العالمية ويساهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.
ويكتسب التعاون الدولي في مجال حوكمة المحيط زخما متزايدا، إلا أن المعاهدات العالمية الـ 57 المتعلقة بحماية المحيط تُؤدي إلى نهج مُجزّأ.
كما أن تحقيق اقتصاد محيطات مستدام يتطلب الإنصاف، وإدراجا بارزا لمعارف وممارسات المجتمعات الأصلية التقليدية. فبدونها، سيصعب تحقيق صحة المحيطات، ورفاهية المجتمعات، والتنمية المستدامة، والعادلة.
ورغم ذلك، لا تزال هناك فجوات كبيرة في المعرفة المتعلقة بالمحيط، حيث لم يتم رسم خرائط سوى 27% من قاع البحر حتى عام 2025، مما يجعل فهم النظم البيئية في أعماق البحار، والعمليات البيولوجية، والآثار التراكمية ضعيفا.
وعلى الرغم من الضغوط المتزايدة، توجد حلول، تشمل مناهج قائمة على الطبيعة، وخفض الانبعاثات، وتوسيع نطاق حماية البيئة البحرية.
مع ذلك، حتى مع استعادة النظم البيئية للمحيط بشكل كامل، لن يُسهم ذلك إلا بنحو 2% فقط من أهداف التخفيف من آثار تغير المناخ العالمية، مما يُؤكد الحاجة إلى تغيير جذري.
ويخلص التقييم الأممي، إلى أنه بدون تحرك عالمي سريع ومنسق، ستستمر صحة المحيط في التدهور، مما يُهدد استقرار المناخ، ومرونة التنوع البيولوجي، والأمن الغذائي، وسبل العيش، ورفاهية مليارات البشر.
أخبار متعلقة :