قالت "دانيا عريسي" الأستاذة في جامعة جورج تاون والمحللة الأمريكية في معهد نيولاينز إن المفاوضات المتوترة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية مازالت غير محسومة في ظل الضربات الإيرانية على دول الخليج وعودة التصعيد مع إسرائيل.
وأوضحت عريسي في حوار خاص مع “الدستور” أن هناك العديد من النقاط الخلافية بين إيران والولايات المتحدة في المفاوضات ولا تزال الفجوة بين الإطار العام والاتفاق النهائي كبيرة، لذا التوصل إلى اتفاق سيكون صعبًا ما لم تقدم الولايات المتحدة وطهران تنازلات جادة، وإلى نص الحوار:
ما مدى قرب واشنطن وطهران من تحقيق انفراجة؟
توصل الجانبان إلى اتفاق مبدئي لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى تسوية أكثر استدامة، وذلك عبر مذكرة تفاهم من شأنها إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، وبدء محادثات لمدة 60 يومًا حول البرنامج النووي الإيراني، مع ذلك، لم يوقع ترامب على المقترح، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان المرشد الأعلى الإيراني قد وافق عليه.
ولا تزال الفجوة بين الإطار العام والاتفاق النهائي كبيرة، التوصل إلى اتفاق سيكون صعبًا ما لم تقدم الولايات المتحدة وطهران تنازلات جادة، لا سيما فيما يتعلق بالبرنامج الباليستي والنووي، ورفع الولايات المتحدة للعقوبات أو الإفراج عن الأموال الإيرانية. وإلا فلن يكون هناك اتفاق، لأن الثقة بين الطرفين قد تراجعت بشكل كبير.
ما أبرز نقاط الخلاف الرئيسية في المفاوضات ؟
هناك عدة نقاط خلاف متداخلة وراسخة، البرنامج النووي: تمثلت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية في مطالبة الرئيس دونالد ترامب لإيران بتسليم اليورانيوم المخصب والتخلي نهائيًا عن أي قدرة على إنتاج أسلحة نووية، والبرنامج النووي الصواريخ الباليستية وشبكات الوكلاء، وترفض إيران هذا النطاق رفضًا قاطعًا ولبنان وإسرائيل: صرّحت إيران بأنه "لن يُجرى أي حوار" حتى تنسحب إسرائيل بالكامل من المناطق المحتلة في لبنان وتوقف جميع الهجمات في كل من لبنان وغزة والعقوبات والأصول المجمدة: تشمل نقاط الخلاف الرئيسية أيضًا مخزون اليورانيوم الإيراني، والأصول المجمدة، وما إذا كان الصراع في لبنان سينتهي.
وتُصرّ إيران على فصل وقف إطلاق النار عن المفاوضات النووية، بينما تُريد الولايات المتحدة تضمين التزامات نووية منذ البداية. وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن إيران تُفاوض على إنهاء الحرب ولا تُناقش حاليًا القضايا النووية.
ما مدى النفوذ الذي لا تزال إيران تمتلكه؟
يُعدّ مضيق هرمز سلاح إيران الرئيسي، وهي لا تزال تستخدمه بقوة. قبل النزاع، كان نحو 20% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال يعبران المضيق سنويًا؛ أما الآن، فقد انخفضت حركة الشحن إلى نحو 5% من مستويات ما قبل النزاع، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية، الألم الاقتصادي حقيقي، لكن إيران لا تزال تتمتع بنفوذ غير متكافئ عبر المضيق، وهو نفوذ لم تتمكن أي حملة عسكرية من تحييده بالكامل حتى الآن.
ما حجم الضغط السياسي الداخلي الذي يواجهه ترامب؟
ضغط كبير، ومن جهات متعددة في آن واحد. يبدو أن كلًا من الصقور المحافظين والديمقراطيين يعتقدون أن ترامب على وشك الرضوخ لاتفاق سيئ. الحرب على إيران، كغيرها من الأمور في واشنطن، رهينة للسياسة المريرة، والأيديولوجيات الراسخة، والسياسيين الساعين إلى تعزيز مكانتهم ومن اليمين: شعر كبار المشرعين الجمهوريين بالقلق عند ظهور الاتفاق الإطاري، حيث انتقد كل من السيناتور ليندسي غراهام، وتيد كروز، وروجر ويكر الاتفاق بشدة ومن اليسار، أعرب الديمقراطيون في الكونجرس عن مخاوفهم بشأن صلاحيات ترامب في شن الحرب، ومن المثير للاهتمام أن قاعدة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (MAGA) بها انقسام حاد: شخصيات إعلامية بارزة من مؤيدي ترامب، مثل تاكر كارلسون وستيف بانون، تدعو إلى ضبط النفس، بينما يضغط أعضاء متشددون في الحزب الجمهوري من أجل اتخاذ إجراءات حاسمة.
الانقسام الحالي يعكس توترات أوسع نطاقًا في التحالف الجمهوري ورفض ترامب شخصيًا احتمال دعم الولايات المتحدة لخطة إسرائيلية لضرب المنشآت النووية الإيرانية، وهو تحول في الموقف لا يلقى استحسانًا في أوساط المتشددين في السياسة الخارجية بواشنطن ويسعى ترامب إلى استرضاء الجناح المتشدد في حزبه بتحقيق "انتصار"، مدركًا أن فصيلًا صاخبًا يعتبر أي اتفاق لا يتضمن استسلامًا إيرانيًا كاملًا بمثابة استرضاء.
ماذا سيحدث في حال انهيار المفاوضات؟
النتيجة الأرجح هي العودة إلى تصعيد الضغط بدلًا من الحرب الشاملة، ولكن مع مخاطر متزايدة ومن المرجح أن يؤدي الانهيار إلى تجدد الضربات الأمريكية على البنية التحتية للطاقة الإيرانية، وتشديد الحصار البحري، واحتمال جر دول الخليج العربية إلى مزيد من الصراع - وكل ذلك لم يكن سهلًا عليها أيضًا.
هل التوصل إلى اتفاق طويل الأمد أمر واقعي، أم أنه مجرد إدارة للأزمة؟
في هذه المرحلة، هو في الغالب إدارة للأزمة النتيجة الأكثر واقعية على المدى القريب هي اتفاق مرحلي: إعادة فتح المضيق، ووقف الأعمال العدائية، ثم تأجيل المسألة النووية إلى نافذة تفاوض منفصلة مدتها 60 يومًا - والتي قد تنهار بدورها ويواجه أي اتفاق شامل ودائم عقبات هيكلية تتجاوز المحادثات الحالية. إن تاريخ الإخلال بالالتزامات - وخاصة انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2018 - يعني أن طهران لا تملك حافزًا يُذكر لتقديم تنازلات دون ضمانات قوية، وهو ما لا يستطيع النظام السياسي الأمريكي توفيره بشكل موثوق.
هل يمكن لهذه المحادثات أن تُعيد تشكيل الأمن في الخليج؟
نعم - وقد تكون عملية إعادة التشكيل جارية بالفعل بغض النظر عن التوصل إلى اتفاق من عدمه. لقد أدى الصراع إلى تعطيل جوهري لاتفاقية "النفط مقابل الأمن" القديمة. فقد وفرت العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة ودول الخليج لعقود من الزمن الاستقرار مقابل تدفقات نفطية منتظمة عبر مضيق هرمز؛ لقد تبدد ذلك الاستقرار، ومعه ضاعت إمكانية وصول العالم إلى فائض الطاقة الإنتاجية النفطية - ما يقارب 4 ملايين برميل يوميًا من الطاقة الفائضة من العراق والكويت والسعودية والإمارات العربية المتحدة.
وتفيد التقارير أن العديد من حلفاء أمريكا يناقشون التخلي عن العقود والالتزامات الاستثمارية مع الولايات المتحدة، مما يشير إلى مخاوف بشأن جدوى شراكاتهم مع أمريكا على المدى الطويل. وقد يتخذ مجلس التعاون الخليجي خطوات لتعزيز العلاقات الأمنية التعاونية، وربما إنشاء تحالف أمني إقليمي أكثر رسمية على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ومع هذا ستسعى دول الخليج إلى تعزيز علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة - وربما تهدف إلى إبرام اتفاقيات على مستوى المعاهدات تلزم واشنطن بحمايتها.
أخبار متعلقة :