عقد الجامع الأزهر، أمس الأحد، ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي تحت عنوان: "مظاهر الإعجاز في حديث القرآن عن البروج والنجوم الثاقبة" وذلك بحضور كل من: د مصطفى براهيم، الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر، ود شعبان عطية، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، وأدار الملتقى علاء العرابي، المذيع بإذاعةالقرآن الكريم.
قال الدكتور شعبان عطية إن سورة البروج افتتحت بقسم إلهي عظيم في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، وأسلوب القسم في القرآن الكريم يأتي لتأكيد الحقائق الكبرى والقضايا العظيمة التي يراد ترسيخها في النفوس، لذلك أقسم الله تعالى بمخلوقات وآيات كونية متعددة؛ لما تحمله من دلائل القدرة والإحكام، ولأنها تشهد على عظمة الخالق سبحانه وتعالى ووحدانيته، والمتدبر للقرآن يجد أن القسم بالسماء يتكرر في مواضع عديدة؛ لما تمثله من آية كبرى من آيات الله، بما تحويه من أسرار ونظم دقيقة تعجز العقول عن الإحاطة بها، فتدعو الإنسان إلى التأمل والتفكر في ملكوت الله عز وجل.
وأضاف فضيلته أن قوله تعالى: "البروج" تحمل في اللغة معاني الظهور والارتفاع والوضوح، ومنها البرج الذي يظهر للناظر ويبرز عن غيره، كما ورد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، كما أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن المراد بالبروج في الآية منازل النجوم والكواكب العظيمة التي تسير وفق نظام دقيق قدره الله تعالى، بينما رأى بعض أهل التفسير أنها النجوم نفسها أو التجمعات الكونية الظاهرة في السماء، وفي جميع الأحوال فإن الآية توجه الإنسان إلى التأمل في هذا البناء الكوني المهيب الذي يسير وفق سنن ثابتة لا تتخلف، وهو ما يعزز الإيمان بقدرة الله وحكمته، ويجعل النظر في الكون بابًا من أبواب معرفة الخالق سبحانه وتعالى.
ومن جانبه قال الدكتور مصطفى إبراهيم إن القرآن الكريم يتميز بدقة ألفاظه واختياراته التعبيرية، ولذلك نجده يستخدم لفظ "السماء" للدلالة على هذا العالم العلوي الواسع الذي يحيط بالإنسان، ويضم من الآيات والعجائب ما لا يحصى، فالقرآن لا يقدم الكون باعتباره فراغا موحشا أو مساحة مظلمة، وإنما يصوره بناء محكما مليئا بالدلائل الدالة على عظمة الخالق، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، حيث يجمع النص القرآني بين ذكر البروج المضيئة في صورة تؤكد دقة النظام الكوني وجماله.
وأضاف فضيلته أن الآيات الكونية في القرآن الكريم لا تهدف إلى تقديم معلومات فلكية مجردة، وإنما تسعى إلى بناء وعي إيماني يدفع الإنسان إلى التفكر في الخلق والاستدلال به على الخالق، فكلما تقدمت الاكتشافات العلمية واتسعت معارف البشر بأسرار الكون، ازداد إدراكهم لعظمة هذا البناء الكوني واتساعه المذهل ودقة قوانينه، ومن هنا جاءت دعوة القرآن المتكررة إلى النظر في السماوات والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ليبقى التأمل في الكون سبيلا إلى تعميق الإيمان، واستحضار عظمة الله تعالى، وإدراك أن هذا النظام البديع لم يأتِ مصادفة، وإنما هو أثر من آثار القدرة الإلهية المطلقة والحكمة البالغة.
أخبار متعلقة :