موقع تن لاينز الإخباري

فريدمان وفريدمان.. وبينهما إسرائيل!

انتشرت خلال النصف الثاني من شهر أبريل الماضي، تقارير عن محادثة حادة بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.. لم يكن ترامب راضيًا عن تجدد هجمات إسرائيل على لبنان، والتي هددت بانهيار وقف إطلاق النار الهش بين إيران والولايات المتحدة.. صحيح أن جميع العلاقات تمر بفترات توتر، ولكن ماذا تخبرنا هذه اللحظة عن علاقة إسرائيل بواشنطن؟.. وما علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل؟، وما يريده كلا الجانبين من الحرب مع إيران؟، ومستقبل مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط.. وفي هذا المقال، نعرض لرأيين، يجمع بينهما إسرائيل، وتشابه اسمي قائلهما.. الأول هو رئيس ومؤسس Geopolitical Futures، جورج فريدمان.. والثاني هو الكاتب الأمريكي المعروف، توماس فريدمان.
يطرح توماس فكرته حول، كيف ضلت إسرائيل طريقها وكيف يمكن لترامب إنقاذ لبنان؟.. يقول، إذا كنت تبحث عن صورتين تلخصان إلى أين أخذت استراتيجية إسرائيل الجيوسياسية، تحت رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو البلاد، فلا يمكنك أن تفعل أفضل من بعض اللقطات التي ظهرت خلال النصف الثاني من أبريل في الصحافة الإسرائيلية.. الأولى صورة لجندي إسرائيلي يستخدم مطرقة ثقيلة لتحطيم تمثال السيد المسيح في دبل، وهي قرية مسيحية مارونية في جنوب لبنان، على بعد أميال قليلة شمال الحدود الإسرائيلية.. إذ كتب المراسل الدبلوماسي في صحيفة (تايمز أوف إسرائيل)، لازار بيرمان، أن الصورة (لخصت بشكل مثالي بعض أسوأ الصور النمطية حول إسرائيل واليهود، لدرجة أن الكثيرين افترضوا بشكل غريزي، أنها منتج من إنتاج الذكاء الاصطناعي، يهدف إلى تشويه سمعة الدولة اليهودية.. أصدقاء إسرائيل الذين ظنوا أن الصورة قد تكون حقيقية صلوا ألا تكون كذلك، فقد كانت الصورة ضارة.. لم تُستجب دعواتهم.. وقد قذف جندي من قوات الدفاع الإسرائيلية بالفعل بمطرقة على وجه تمثال يصور السيد المسيح.. لم يكن هناك ذكاء اصطناعي، ولا تلاعب، ولا تجاوز.. صورة تشير إلى مستنقع أخلاقي عميق) في الجيش والمجتمع الإسرائيلي.
الثانية هي صورة في صحيفة (هآرتس)، لمجموعة من الوزراء الإسرائيليين اليمينيين المبتسمين، وهم يفتتحون مستوطنة أُعيد تأسيسها حديثا، سا ـ نور، في شمال الضفة الغربية.. وهي واحدة من أربع مستوطنات إسرائيلية معزولة، تم إنشاؤها في المنطقة التي تقع تحت سلطة الفلسطينيين المدنية والأمنية.. الفكرة وراء هذه المستوطنات، هي أن تجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية متجاورة أبدًا.. كما أشارت (هآرتس)، إلى تفاخر وزير دفاع نتنياهو، إسرائيل كاتس، في حفل تقنين الحكومة المتوقع لحوالي مائة وأربعين موقعًا زراعيًا في الضفة الغربية، لإحباط أي (محاولات فلسطينية لإقامة وجود في المنطقة).. مجرد يوم آخر من حكومة نتنياهو التي تُلاعب الرئيس ترامب كأحمق.. هذا هو ترامب الذي أعلن في سبتمبر 2025، (لن أسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية).
لماذا هاتان الصورتان كاشفتان إلى هذا الحد؟.. إنها التمثيلات المثالية لاستراتيجية نتنياهو اليوم، إذا جاز تسميتها استراتيجية: واجه كل تهديد حولك بسحقه بمطرقة ثقيلة، مهما كان عدد أعداء لإسرائيل، ولا تقدم أفكارًا إبداعية لتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية دائمة، لا في غزة أو لبنان أو سوريا والضفة الغربية ولا مع السعودية وإيران.. وذلك لأن إسرائيل لكي تحقق أي مكاسب استراتيجية، يجب أن تحاول على الأقل إنتاج حل الدولتين مع السلطة الفلسطينية.. وهذا ما سيعزل إيران بشكل مستدام في المنطقة.. وهذا ما سيجعل تطبيع العلاقات الإسرائيلية ـ السعودية، بما في ذلك التجارة والسياحة، ممكنًا.. وهذا ما سيجعل من السهل ـ والأقل خطورة ـ على الحكومتين اللبنانية والسورية عقد سلام رسمي مع الدولة اليهودية.. وهذا أمر يرفض نتنياهو حتى محاولة تقويضه.
يُسائل توماس فريدمان نفسه: هل أعتقد أن الأمر سيكون سهلًا؟، بالطبع لا.. هل أعتقد أن الفلسطينيين لديهم قيادة مسنة وتحتاج إلى استبدال، وتنشيط وإصلاح، ولديهم الكثير ليحاسبوا بأنفسهم عن معاناتهم؟، بالتأكيد.. لكن هل أعلم أن نتنياهو كرَّس كل فترة رئاسته للوزراء، لعرقلة ظهور قيادة فلسطينية أكثر مصداقية واحترامًا؟.. أنا أيضًا أشعر بذلك.. هل أعلم أن لإسرائيل مصلحة أساسية في محاولة الانفصال بكل الطرق الممكنة عن الفلسطينيين، حتى لا تنتهي كدولة فصل عنصري يديرها اليهود؟، بالتأكيد.. هل أؤمن أن إيران ووكلاؤها يشكلون تهديدًا قاتلًا لإسرائيل لا يمكن تجاهله؟، مرة أخرى، بالتأكيد.. لكن هل أؤمن أيضًا أنه بدون شريك فلسطيني، يبدو للعالم أن استراتيجية نتنياهو هي جعل إسرائيل آمنة للتطهير العرقي في الضفة الغربية، وأن هذا يفقد إسرائيل أفضل أصدقائها في كل مكان؟، أكيد أعرف.
عندما يذهب الديمقراطيون الوسطيون المؤيدون لإسرائيل منذ زمن طويل في الولايات المتحدة، مثل رام إيمانويل في برنامج (الوقت الحقيقي مع بيل ماهر)، كما فعل قبل عدة أسابيع، ويصرحون وسط تصفيق ساحق، بأنهم يعارضون المساعدات العسكرية الأمريكية المدعومة لإسرائيل ويشككون في وضعها (الخاص)، فإنك بالفعل تنفد من الأصدقاء.. وليس فقط على اليسار.. المزيد والمزيد من الأمريكيين من مختلف الأطياف، يرون إسرائيل ونتنياهو كطفل مدلل، وهم فقط سئموا من ذلك.
بالطبع، أدانت الحكومة الإسرائيلية وقيادة الجيش الجندي الذي حطم تمثال السيد المسيح في جنوب لبنان وعاقبت من تورطوا.. في الواقع، مدركة كم هو كارثة في مجال علاقات إسرائيل العامة، أسرعت إسرائيل لاستبدال التمثال.. لكن من أين تعتقد أن ذلك الجندي دخل في رأسه، أن هذا سيكون مقبولًا.. شيئًا يستحق أن يلتقط له أحد أعضاء وحدته صورة؟.. سأخبركم من أين جاء بهذه الفكرة: مراقبة وسماع لغة وأفعال حكومة نتنياهو نفسها، وجيشه، وآلة السموم على الإنترنت.. كان بإمكانه القراءة يوميًا عن مستوطنين يهود يمينيين في الضفة الغربية، يحطمون السيارات والمنازل والمحاصيل الفلسطينية باسم الصهيونية الدينية.. وغالبًا ما كان الجيش والشرطة الإسرائيليون يراقبون، وأحيانًا يساعدون، ونتنياهو دائمًا يوافق.. فما السيء في ضرب تمثال السيد المسيح بمطرقة في جنوب لبنان؟.
لا يمكنك لوم ذلك الجندي ورفاقه، خصوصًا وأنهم يسمعون ممثل ترامب في إسرائيل، مايك هوكابي، يعبر علنًا عن دعمه لضم إسرائيل للضفة الغربية، ويتصرف كما لو كان سفير المستوطنين اليهود في الولايات المتحدة، وليس سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل.. وكأن مثل هذا الضم لن يهدد الأردن، حجر الزاوية في سياسة الولايات المتحدة في المنطقة.. الكثير والكثير من الإسرائيليين يعلمون أن هذا النهج مستهجن أخلاقيًا واستراتيجيًا ومجنونًا، لكنهم محاصرون على سفينة يقودها حمقى.
*
كيف سيبدو التفكير الاستراتيجي الجديد حول إسرائيل ولبنان؟.
لنبدأ بحقيقة أن إسرائيل، شنت على الأقل سبعة حروب طويلة الأمد، أو عمليات عسكرية واسعة النطاق في جنوب لبنان، ضد منظمة التحرير الفلسطينية أو حزب الله، منذ أن جاء توماس إلى بيروت كصحفي في عام 1979.. الذي يقول: دعوني أكون واضحًا، لا ينبغي لأي رئيس وزراء إسرائيلي، أن يسمح أو ينبغي لمرتزقة إيران في لبنان، أي ميليشيا حزب الله، بجعل شمال إسرائيل غير صالح للسكن بتهديد الهجمات الصاروخية.. لكن في مرحلة ما، يجب أن ينطبق المبدأ القائل بأن (الجنون هو تكرار نفس الشيء مرارًا وتكرارًا وتوقع نتائج مختلفة).. تستمر إسرائيل في القول إن الجيش اللبناني بحاجة إلى نزع سلاح حزب الله.. لكن الجيش اللبناني مزيج من المسيحيين والدروز والسنة والشيعة.. ونظرًا لسيطرة حزب الله السياسية على المجتمع الشيعي اللبناني ـ حتى مع الغضب الذي يشعر به العديد من الشيعة اللبنانيين تجاه حزب الله اليوم، لاستفزازه لإسرائيل نيابة عن إيران ـ إذا دخل الجيش اللبناني في حرب مفتوحة في جنوب لبنان وفي بيروت ضد حزب الله، فقد ينقسم ويغرق لبنان مرة أخرى في حرب أهلية.. البديل الوحيد الذي قدمه نتنياهو هو طرد عشرات الآلاف من اللبنانيين من جنوب لبنان أو المناطق الشيعية في بيروت.
حان الوقت للطريق الثالث.. يمكن أن أسميها خطة ترامب لإنقاذ لبنان.. دفع إسرائيل للانسحاب الكامل من جنوب لبنان، ومساعدة قوات (الناتو) المسلحة بشدة في السيطرة على المنطقة، بالشراكة مع الجيش اللبناني وتحت السلطة الرمزية.. يمكن لإسرائيل أن تثق في الناتو.. لن يجرؤ حزب الله وإيران على مواجهتهم.. أو إذا فعلوا، فسيسحقون، وسيصفق الغالبية العظمى من اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، لأن إسرائيل ستكون خارج لبنان تمامًا، وسيفقد حزب الله مبرره لمهاجمة إسرائيل.. صحيح أنه قد لا يكون حلًا مثاليًا، لكنه أفضل من غزو إسرائيل للبنان مرارًا وتكرارًا، ناهيك عن حرب أهلية لبنانية.. أمر يستحق المحاولة.
لبنان لديه الآن أكثر الرؤساء تعددية وذكاءً.. جوزيف عون، ورئيس الوزراء، نواف سلام، منذ الحرب الأهلية 1975 ـ 1990.. أعتقد أنهم مستعدون لإبرام السلام مع إسرائيل، لكن ليس على حساب حرب أهلية أخرى.. حان الوقت لطريق ثالث يؤمن لبنان، ويؤمن إسرائيل، ويكشف حزب الله لما أصبح عليه، كونه مخلب قط لإيران، مستعد للقتال حتى آخر لبناني وآخر إسرائيلي يخدم طهران.. حان الوقت لخطة ترامب لإنقاذ لبنان، بالعدل والقسطاس.
*
هل التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي في أزمة؟.. وهل يُشير هجوم دونالد ترامب على بنيامين نتنياهو إلى شرخ في التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟.. هنا، يُناقش جورج فريدمان، تطور العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية، وتضارب مصالحهما في الشرق الأوسط، وكيف يُشكل العبء الاستراتيجي الإسرائيلي عائقًا أمام التوافق الإقليمي.. ولنعود إلى المبادئ الأساسية: لماذا تهتم الولايات المتحدة كثيرًا بإسرائيل؟.
نعود إلى تأسيس إسرائيل.. صوتت الولايات المتحدة لصالح تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين، لكنها لم تقدم الكثير من المساعدة لإسرائيل.. كانت فرنسا، صدق أو لا تصدق، الدولة التي قدمت أكبر قدر من المساعدة لإسرائيل، وذلك لعقود قبل وجود الفرنسيين.. لكن ما حدث هو أزمة السويس.. كانت أزمة السويس في تأميم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لقناة السويس، وهو ما يُشبه السيطرة على مضيق هرمز اليوم، لكن مع الفارق، أن هرمز ممرًا دوليًا، بنما فناة السويس مشروعًا مصريًا على أرض مصرية خالصة.. جند البريطانيون والفرنسيون الإسرائيليين لاستعادة قناة السويس، لمنع ناصر من تحقيق ذلك.. بعد ذلك، حوّل المصريون اهتمامهم، وتدخلت الولايات المتحدة، بالمناسبة، لمنعهم.. لجأ ناصر إلى السوفييت طلبًا للمساعدة وأصبح حليفًا لهم.. وكذلك فعلت سوريا، ودول أخرى في المنطقة.. وهكذا اندلعت حرب باردة امتدت إلى الشرق الأوسط.. وخلال تلك الحرب الباردة، خضعت عدة دول عربية مهمة لنفوذ روسي عميق، ليس سيطرة، بل تأثير.. قام الروس بتسليحهم وتدريبهم وكل ما شابه ذلك.. بعد ذلك، بدأت الولايات المتحدة فعليًا بالتوجه نحو إسرائيل، لأن الدول المتحالفة معها لم تكن تمتلك قوة عسكرية كبيرة، بينما كانت إسرائيل قوة عسكرية.. وهكذا انخرطت الولايات المتحدة في دعم إسرائيل.
على سبيل المثال، شهد عام 1973، حرب أكتوبر، عندما شنت مصر وسوريا هجومًا على إسرائيل.. كانت الأسلحة والتدريب سوفيتيين بالكامل.. في تلك الحرب، أصبحت الولايات المتحدة موردًا رئيسيًا لاحتياجات إسرائيل.. كانت حربًا قصيرة، لكنها نقلت كميات هائلة من الأسلحة وكل شيء إلى إسرائيل.. لذا، من الأمور التي يجب فهمها، أن العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية تطورت في ذروة الحرب الباردة مع روسيا.. بعد أن توغلت في العديد من دول الشرق الأوسط، وخصوصًا سوريا ومصر، وهما دولتان حاسمتان، وظلت كذلك، إلى أن أدرك الرئيس الراحل، أنور السادات، أن 99% من أوراق اللعبة في أيدي الولايات المتحدة.. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي، بقي هذا الوضع قائمًا.. بعد ذلك، ازداد اهتمام الولايات المتحدة بأمور مثل قصف يوغوسلافيا، وما شابه ذلك.. ثم وقع ما حدث، أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. لذا، لم تتراجع علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل، ولم تتطور.. ولكن بعد أحداث سبتمبر وهجوم القاعدة، انخرطت الولايات المتحدة فجأة في الشرق الأوسط، كما في حرب العراق، وتدخلها في الكويت، وغيرها.. في تلك الحروب، كان الإسرائيليون مفيدين للغاية في تقديم المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ العمليات السرية، وما إلى ذلك.. لذا، خلال الفترة التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصبحت الولايات المتحدة نفسها تعتمد إلى حد كبير على إسرائيل، واستمرت العلاقة على حالها.. لقد تجاوزنا تلك المرحلة بكثير، فالالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل قائم.. لكنه ليس بنفس القدر من الأهمية كما كان.. وكما أشار ترامب بوضوح، وصلت واشنطن إلى مرحلةٍ بات من الممكن فيها اختلاف طبيعة علاقتها مع تل أبيب.. لكن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل لم يكن قائمًا إلا بعد أن أصبح السوفييت عنصرًا مؤثرًا.. وكان هذا جزءًا من الحرب الباردة، وكانت إسرائيل عنصرًا حاسمًا.
هناك تلميح إلى وجود علاقة تتجاوز الجانب العملي والواقعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، علاقة ربما تكون أخلاقية، إن صح التعبير، علاقة صداقة.. من الواضح أن هناك علاقات وثيقة بين الكثير من الناس في كلا البلدين.. فهل لهذا الأمر دور هنا؟.
يرى جورج فريدمان، أنه لا شك أن ذلك لعب دورًا في تأسيس إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.. كان هناك تعاطف كبير معهم، ودعمتهم الولايات المتحدة، لكنها لم تكن حليفًا عسكريًا رئيسيًا.. لم يكن ذلك أساس أمن إسرائيل.. لم يتبلور هذا الأمر إلا بعد أن اتخذ السوفييت مواقفهم. وحينها انخرطت واشنطن عسكريًا بشكل كبير.. لذا، الفكرة ليست أن واشنطن كانت منخرطة عسكريًا منذ البداية في الدفاع عن إسرائيل وما إلى ذلك.. كان هناك تعاطف كبير قائم على المحرقة، وعلى وجود اليهود في البلاد، وما إلى ذلك، لكن لم يكن هناك جدل حول دعم إسرائيل.. ظهر الجدل حول دعم إسرائيل بعد الحرب الباردة، واستمرار العلاقة مع إسرائيل، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وما إلى ذلك.. وهكذا أخذت الأمور بُعدًا مختلفًا.. لذلك، يقول جورج، أعتقد أن تصويت الولايات المتحدة في الأمم المتحدة لصالح استقلال إسرائيل، كان له علاقة كبيرة بمزاج البلاد تجاه اليهود، والذي كان إيجابيًا ورغبةً في ذلك.. لم تكن المساعدات التي قدمتها الحكومة الأمريكية مباشرة كبيرة. وجاءت المساعدات الرئيسية من فرنسا.
ربما ثار سؤال يتعلق بهذه العلاقة الآن، وهل هناك ما يميز العلاقة الحالية بين إسرائيل والولايات المتحدة عن علاقة بعض حلفاء أمريكا الآخرين، لنقل بريطانيا أو بعض الحلفاء الآخرين، أو حتى أستراليا، على سبيل المثال، بعض الحلفاء الذين تربطهم علاقات تاريخية عميقة؟.
في نظر جورج فريدمان، يبدو الأمر كذلك لكثير من الناس.. في رأيه، يعتقد أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة هي الوضع الطبيعي وغير القابل للاستمرار في ظل الظروف الراهنة.. لكن ما يراه هو أن ما تُجبر إسرائيل على فعله الآن ليس بالضرورة في مصلحة الولايات المتحدة.. على سبيل المثال، في إيران، يُعدّ امتلاك إيران للأسلحة النووية تهديدًا كبيرًا لإسرائيل.. بالطبع، هو أيضًا تهديد محتمل للولايات المتحدة لأن تنظيم القاعدة، الذي نفّذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لا يزال موجودًا.. لذا، إذا تولّت حكومةٌ تطوير أسلحة نووية ودعم تنظيم القاعدة، يبدأ المرء بالتفكير فيما فعله تنظيم القاعدة في الحادي عشر من سبتمبر، وماذا سيكون عليه الحال في حال وقوع هجوم نووي مماثل.. من هذا المنطلق، هناك اتفاقٌ عام على عدم امتلاك إيران أسلحة نووية.. القضية الأساسية بالنسبة لترامب، والتي دفعته إلى الغضب الشديد، هي أن إسرائيل لا تتعامل ببساطة مع إيران، بل تحاول القيام بشيء آخر، وهو غزو لبنان ورفض الانسحاب منه.. والآن هناك هذا التضارب في المصالح. ويمكننا التحدث عن ذلك.
هذا الانفجار، بين غضب ترامب، وبين نتنياهو وترامب.. من الواضح أن معظم الناس على دراية بهذا الحديث.. ما مدى أهمية علاقتهما؟.. ما مدى أهميتها في الواقع، خصوصًا الآن في ظل الحرب مع إيران؟.. إنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل.. ويبدو أنهما كانا دائمًا على وفاق.. حتى أن ترامب قال، أو يُزعم أنه قال، إن نتنياهو ليس في السجن بفضله.. ما مدى أهمية هذا الأمر في الواقع؟.. هناك دائمًا مسألة العلاقات الشخصية بين قادة الدول، وهي تمثل 4% على الأقل من القضية.. أما المسألة الأهم، فهي أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا تتشاركان مصلحة مشتركة في التخلص من الأسلحة النووية.. انتهى الأمر بالولايات المتحدة إلى وضع لم تتخلص فيه من الأسلحة النووية، بل انتهكت المبادئ الأساسية التي ترشح ترامب على أساسها للرئاسة، ألا وهي وقف هذه الحروب المستمرة في المنطقة.. عليه إنهاء الحرب. ولإنهاء الحرب، ضمن للإيرانيين وقف القتال في لبنان، وانسحاب إسرائيل منه.. لكن الإسرائيليين، لأسبابهم الخاصة، يرفضون ذلك.. إذن، هذا اختلاف جوهري.. تريد الولايات المتحدة الخروج من هذه الحرب.. ويقولون إن أساس خروج إيران من الحرب هو تحقيق السلام في إيران.. لا تستطيع إسرائيل استيعاب فكرة وجود حزب الله، أو الجماعة الإرهابية كما يُطلق عليها، أو الجهة الفاعلة غير الحكومية، على حدودها، ولذلك فهي تتوسع أكثر في الداخل.. وهذا فرق جوهري بين ما ترغب الولايات المتحدة في رؤيته وما يتعين على إسرائيل فعله.
لقد صدمت حماس الإسرائيليين صدمةً عميقةً من ناحيتين.. الأولى هي قدرتها على التهرب من قدرات الاستخبارات الإسرائيلية، من خلال الأنفاق والشبكات الناشئة.. يُعد جهاز الاستخبارات الإسرائيلي من أبرز ما تفتخر به إسرائيل، ولكنه فشل فشلُا ذريعًا.. ونتيجةً لذلك، قُتل العديد من الإسرائيليين على يد حماس.. كان هذا بمثابة إعادة تقييم لأمن حدودهم.. فإذا كان بإمكان هذه الجماعات مهاجمة إسرائيل دون أي معلومات استخباراتية من الحكومة الإسرائيلية لإرسال قوات لصدّها، فإنها تواجه مشكلةً جوهرية.. هذه المشكلة الجوهرية هي أن إسرائيل تُشكل خطرًا مُحتملًا.. يبلغ عرضها في أوسع نقطة واحد وسبعين ميلًا، وفي أضيق نقطة تسعة أميال، وظهرها مُلاصق للبحر الأبيض المتوسط.. بعبارة أخرى، إسرائيل في وضعٍ بالغ الخطورة.. لا يُمكنها أن تخسر حربًا.. ولكن إذا فشلت المعركة الأولى، ولم يتبقَّ لها سوى واحد وسبعين ميلًا للتراجع في أوسع نقطة، فلن تخسر معركةً أبدًا.. عليها أن تبدأ المعركة، عليها أن تستبق الأحداث.. من بين الأمور التي تنظر إليها إسرائيل، هو ضرورة تفوقها المستمر على جيرانها.. وحركة مثل حماس تتبع نهجًا مختلفًا.. لذا، كان هذا أحد أسس الهجوم على غزة ووحشيته.. أرادت إسرائيل ضمان أن تكون غزة منطقة عازلة.. وهذا أيضًا أساس رغبتها في احتلال الضفة الغربية، مما يمنحها مساحة أكبر للمناورة، فلا تضطر إلى التدخل المباشر.. وهذا ما تفعله في لبنان، حيث يوجد نهر الليطاني، وتريد إسرائيل السيطرة عليه.. لذا، ما تحاول إسرائيل فعله بعد هجوم حماس، الذي كان الشرارة الأولى، هو بناء حدود أكثر أمانًا من خلال توسيعها، مما يتيح لها مساحة أكبر للمناورة.. ويبقى السؤال الجوهري: هل هذا التوسع كافٍ لجعل المنطقة أكثر أمانًا حقًا؟.
من وجهة النظر الأمريكية في هذه المرحلة، وبعد تورطها في قضية إيران، التي لم تتمكن من الانسحاب منها إلا بتخلي إسرائيل عن نهر الليطاني في لبنان، ثمة تباين جوهري في المصالح بين البلدين، حيث كان هناك مصلحة مشتركة عند اندلاع الحرب، ألا وهي نزع السلاح النووي الإيراني.. في هذه المرحلة، لن يعقد الإيرانيون السلام إلا إذا تم حل القضية اللبنانية، وهو ما يشعر الإسرائيليون أنهم لا يستطيعون تحمل تبعات ذلك.. لذا، نحن الآن أمام أول أزمة حقيقية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.. لذا يظهر لنا سؤال جديد: بالنظر إلى الوضع الراهن في الحرب، ووقف إطلاق النار، أو أيًا كان المسمى، ما الذي ترغب إسرائيل في تحقيقه من هذا الوضع؟، خصوصًا وأنه لا يمكنهم الاستمرار في مهاجمة حزب الله دون إثارة غضب أمريكا.. وفي الوقت نفسه، لا يمكنهم قبول الوضع الراهن من وجهة نظرهم.. فماذا بوسعهم أن يفعلوا؟.. إلى أين يتجهون؟.
هذه هي المشكلة التي يواجهونها.. لقد شنّت حماس هجومًا أسفر عن مقتل أعداد هائلة من الإسرائيليين.. تمكنوا من فعل ذلك لقربهم الشديد من الحدود الإسرائيلية، ولأن الاستخبارات لم توقفهم.. لذا، إذا كنت إسرائيل، فعليك توسيع حدودك.. الأمر الصادم في إسرائيل هو فشلهم في ذلك، مما أدى إلى مقتل العديد من الإسرائيليين.. من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يمكنهم الاستغناء عن تعزيز قواتهم.. ولا يمكن للولايات المتحدة تحمل استمرار هذه الحرب في إيران إلى أجل غير مسمى.. لكل دولة سبب وجيه لما تفعله.. الولايات المتحدة تريد فك ارتباطها بإيران.. إسرائيل تريد ضمان عدم تكرار هجمات مماثلة لهجمات حماس.. وهنا يكمن الخلاف.. وقد أوضح ترامب موقفه علنًا، وأعلن رفضه التام.. ما حدث هو أن واشنطن وتل أبيب كانتا تملكان مصالح مشتركة سابقًا، ولكن بعد هجوم حماس، وبعد أزمة غزة، وكل ما حدث لاحقًا، كان على إسرائيل أن تتخذ حلًا، بينما لدى الولايات المتحدة دافع مختلف.. وهكذا، وكما يحدث غالبًا بين الدول، يبدو أن العلاقة تنهار.. وفي هذه الحالة تحديدًا، للولايات المتحدة مصالح عديدة في الشرق الأوسط، وعلى عكس ما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة، كانت إسرائيل أساسية لتحقيق تلك المصالح، لأنها تحملت العبء العسكري في تلك المنطقة.. لم تكن حرب فيتنام، بل كانت إسرائيل قادرة على ذلك.. أما الآن، فقد توقفت الحرب في الشرق الأوسط، وبالتالي تغيرت الاحتياجات الأمريكية.. لذا، ما يحدث هنا ليس خيانة، ولا هو مجرد نزعة أخلاقية، بل هو واقع كل دولة قد تغير بطريقة ما.. ومن البديهي أن إسرائيل بحاجة إلى علاقة مع دولة كبرى قدمت لها المساعدة، ومن البديهي أيضًا أن الولايات المتحدة كانت حاضرة هناك لفترة طويلة.. لكن الواقع الجيوسياسي يُغير من طبيعة الأمور.
*
يبقى أن نقول، إن إسرائيل، من نواحٍ عديدة، في حالة حرب منذ تأسيسها، وتحديدًا منذ عام ٢٠٢٣، منذ السابع من أكتوبر.. هل هذا مصيرها المحتوم؟.. وهذا سؤال كلاسيكي حول الشرق الأوسط في القرنين العشرين والحادي والعشرين.. هل مصيرها أن تبقى في حالة حرب أو على حافة حرب أبدية؟، خصوصًا وأن جيرانها لا يرغبون في الحرب.. سوريا كانت لا ترغب بها، لكن الوضع في سوريا مختلف تمامًا.. لن تشن تركيا هجومًا على إسرائيل، فحدودها آمنة نسبيًا.. لذا، نعتقد أن هناك إمكانية للسلام.. الشرط الوحيد، هو أن تتحمل الدول الفاعلة في العالم العربي المسئولية الكاملة، وأن تكون قادرة على قمع الجهات الفاعلة غير الحكومية.. هل هذا ممكن؟.
سيكون الأمر خطيرًا وسيكلف أرواحًا كثيرة في هذه الدول العربية.. إسرائيل تعتقد أنها موجودة في لبنان للقضاء على حزب الله هناك، وللحصول على هذه المنطقة العازلة.. في الوقت نفسه، لدى العرب مصالح أخرى كثيرة غير تدمير إسرائيل.. وهنا يمكن للولايات المتحدة أن تتدخل، فهي الدولة الوحيدة التي يثق بها السعوديون مثلًا والإسرائيليون.. لذا يمكن التفاوض هنا.. المشكلة الآن هي أن الولايات المتحدة تريد أن تكون في هذا الموقف.. من الواضح أن ترامب يريد أن يكون في موقع يسمح له بإنشاء شرق أوسط أكثر سلامًا.. لكن السؤال هو: من سيقدم التنازلات؟.. وما الثمن الذي سيدفعه؟.. هل ستتصدى السعودية لكل هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية وتقاتلها لأنها تشكل خطرًا؟.. هل تستطيع إسرائيل التوقف عن قتال هذه الجهات؟.. وهكذا دواليك؟.. نعتقد أن القضية الحقيقية هنا تكمن في الدول نفسها.. سوريا، على سبيل المثال، تربطها علاقات جيدة جدًا مع إسرائيل حاليًا.. فهل تستطيع ضمان عدم توفير ملاذ آمن لهذه الجهات غير الحكومية في أراضيها؟.. إيران هي الدولة الأساسية، فهي تمول حزب الله.. وبالتالي، بالنسبة للحوثيين، فهي تدعمهم بطرق عديدة.. نعتقد أن ما أراده ترامب أساسًا هو تدمير النظام، والقضاء على هذه القوات، والتوصل إلى تسوية.. لكنه فشل في ذلك، وهذا ما كان يصبو إليه.. ربما لم يُحسن التفكير في الأمر.. لكنه الآن يواجه مشكلة مضيق هرمز.. هل سيستسلم في هذه الحالة ويترك هذه الجهات غير الحكومية في إيران في وضع منتصر؟.. إنه في مأزق حقيقي وضع نفسه فيه.
وهنا نأتي للنقطة الأخيرة.. هل ستظل الولايات المتحدة وإسرائيل حليفتين دائمًا؟.. والأهم من ذلك، هل سنرى دائمًا نفس نوع العلاقة التي تربطهما الآن.، حيث تُعدّ الولايات المتحدة داعمًا رئيسيًا وموردًا للأسلحة لإسرائيل؟.
المصلحة الرئيسية للولايات المتحدة، وليس فقط لترامب، بل للمصلحة الأمريكية جمعاء، هي الخروج من دوامة الحروب المستمرة في نصف الكرة الشرقي، والتحالفات في نصف الكرة الغربي.. وهم يفعلون ذلك.. لقد غيروا بالفعل جذريًا علاقتهم بأوروبا.. لم تعد العلاقة بين أوروبا وأمريكا كما كانت من قبل.. الأوروبيون مستاؤون من هذا الوضع.. لكن الولايات المتحدة لا تُبالي.. هذه ليست مجرد شخصية ترامب، بل هي حقيقة.. على مدى ثمانين عامًا، انخرطت الولايات المتحدة في حروب في نصف الكرة الشرقي.. لم تنتصر فيها.. تكبدت خسائر فادحة.. لقد تم إحصاء أكثر من ستة وثمانين ألف أمريكي قُتلوا في الحرب الباردة، وحرب فيتنام، والحرب الكورية الجنوبية، وكل هذه الحروب.. والولايات المتحدة تريد التخلص من هذا الوضع.. إذا استطاعت الولايات المتحدة الانسحاب من أوروبا، ومن حلف الناتو، ومن العلاقات الأساسية التي كانت تربطها بإسرائيل طوال ثمانين عامًا، فبإمكانها الانسحاب منها أيضًا.
لذا، على الإسرائيليين أن يدركوا ـ من وجهة نظر جورج فريدمان ـ أن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل كان قائمًا على أساس الحرب الباردة، وكان مفيدًا للغاية خلالها.. لكنه في هذه المرحلة، أصبح عبئًا لا يرغبون في تحمله.. والآن، ما أظهره ترامب، على عكس معظم الرؤساء الأمريكيين في هذه المرحلة، وبأسلوبه المميز، هو الانسحاب.. فهل تستطيع الولايات المتحدة التراجع عن إسرائيل؟.. إذا استطاعت واشنطن التراجع عن أوروبا الغربية، فبإمكانها بالتأكيد التراجع عن إسرائيل.. وهذه هي الأزمة الأخرى التي تواجهها إسرائيل.. فإذا تراجعت الولايات المتحدة، ستصبح أكثر عرضة للخطر، وسيقلّ الحماس في العالم العربي للسيطرة على هذه القوى.. لذا، تبقى الولايات المتحدة هناك، لكنها إما أن تمارس ضغطًا أخيرًا قبل الانسحاب، أو أن تُغيّر هذا المبدأ الأساسي المتمثل في الانسحاب من السياسة الخارجية في نصف الكرة الشرقي، وهو ما وعد به ترامب خلال حملته الانتخابية.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.

أخبار متعلقة :