موقع تن لاينز الإخباري

عندما تتحول المؤسسة إلى عزبة والمنصب إلى إقطاعية!  د.

 

لا تموت المؤسسات حين يقل المال، ولا حين تتراجع الإمكانات، ولا حتى حين تتكاثر الأزمات، المؤسسات تموت يوم يقتنع من يجلس على كرسي الإدارة بها.. أنه هو المؤسسة. يوم يُصبح المكتب عرشًا، والقرار فرمانًا، والاعتراض جريمة، والصمت فضيلة، والتصفيق طريقًا للنجاة. 

هناك مؤسسات لا يحكمها قانون، بل يحكمها مزاج شخص واحد... لا يوقع أحد إلا بعده، ولا يتحدث أحد قبله، ولا يجرؤ أحد على التفكير خارجه، يدخل الناس إليها وهم يظنون أنهم يعملون في مؤسسة عامة تخدم المواطن، ثم يكتشفون بعد سنوات أنهم مجرد رعايا داخل إقطاعية حديثة، فلا المواطن نال خدمة تليق بآدميته، ولا الموظف أو الكادر المرؤوس وجد أمامه طريقا مشروعا للإبداع أو تطوير ذاته أو تسخير قدراته لخدمة وطنه من موقعه الوظيفي، بعدما أغلقت الأبواب أمام الكفاءة وفُتحت أمام عصابات الولاء.

 في هذه الإقطاعيات لا تكون الكفاءة هي طريق الصعود، وإنما القرب، ولا تكون الخبرة هي معيار الاختيار، وإنما الطاعة، ولا يكون الإخلاص للمكان هو المطلوب، وإنما الإخلاص للحاكم غير المتوج المسئول عن المؤسسة، وشيئًا فشيئًا تختفي الوجوه المستقلة، يتوارى أصحاب الرأي، يصمت الشرفاء. ويرحل أصحاب الكفاءة. ويبقى فقط أولئك الذين تعلموا أن يقولوا نعم في الوقت المناسب.

وعندما تسيطر هذه الثقافة على مؤسسة ما، يصبح كل شيء قابلًا للاختطاف... التوسعات تصبح وسيلة نفوذ وصندوقا أسود للسرقة ونهب المال العام، واللجان تتحول إلى دوائر مغلقة، والقرارات تصدر لمصلحة المجموعة لا لمصلحة المكان... أما المال، فهو الحكاية الأكثر حساسية، فالأموال التي تأتي من جيوب الناس أو من جيوب المحسنين يفترض أن تكون أمانة، حين يقدمونها عن طيب خاطر في مستشفى يعالج الفقراء والمطحونين، أو لمدرسة تعلم أبناء البسطاء، أو لدار أيتام أو مسنين يستر ما فشل المجتمع عن ستره.

لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة هو أن تتحول الأمانة إلى وسيلة نفوذ، وأن تصبح الموارد أداة لتعظيم السلطة بدلًا من تعظيم الخدمة، أو يتم الاستيلاء على التبرعات من خلال الكبير الذي يدير المؤسسة وأعوانه، وخاصة حين تُجمع هذه التبرعات وتسلم من يد المتبرع الواثق ليد الكبير في المؤسسة دون تسليمها من خلال المسار الرسمي والقانوني المشروع بحجة أن دخول التبرعات إلى خزانة المؤسسة يجعل خروجها للإنفاق على التطوير واحتياجات العملية التشغيلية محفوفا بإجراءات المناقصات والخصم الضريبي وعروض الأسعار وكراسات الشروط والبيروقراطية الحكومية، كما يُصور المسئول الكبير في المؤسسة للمتبرع حسن النية. 

وملف التبرعات من أكثر الملفات حساسية وخطورة، فالتبرع في جوهره عمل نبيل، لكنه يفقد نُبله حين يغيب عنه الانضباط والشفافية والرقابة. والمشكلة لا تكون في التبرع ذاته، بل في طرق جمعه وإدارته وتوجيهه. فعندما تختلط القنوات الرسمية بالقنوات غير الرسمية، وعندما تتداخل الأموال التي تخضع للرقابة مع أموال لا يعرف أحد مسارها الكامل، تصبح البيئة مهيأة للشبهات والنزاعات. وقد شهدت مصر على مدار سنوات قضايا متعددة انتهت إلى تحقيقات وأحكام وإجراءات قانونية بسبب مخالفات متعلقة بإدارة الأموال والتبرعات أو جمعها أو توجيهها خارج الأطر القانونية المقررة،

وفي نوفمبر عام 2023م، على سبيل المثال، قضت محكمة جنايات الإسكندرية بمعاقبة مديرة وحدة علاجية بالسجن المشدد 15 سنة وغرامة 190 ألف جنيه ورد مبلغ يساوي قيمة الغرامة وعزلها من الوظيفة لاتهامها بالاستيلاء على أجهزة طبية ومبالغ مالية تبرع بها أحد المتبرعين للوحدة الطبية.

والقانون المصري وقف بالمرصاد لهذه التجاوزات، حيث حددت المادة (121) من قانون العقوبات، عقوبة جرائم اختلاس المال العام، ونصت على أن "كل موظف عام اختلس أموالًا أو أوراقًا أو غيرها وجدت في حيازته بسبب وظيفته يعاقب بالسجن المشدد".

وتكون العقوبة السجن المؤبد أو المشدد إذا ارتبطت الجريمة بجريمة تزوير أو استعمال محرر مزور ارتباطًا لا يقبل التجزئة أو إذا ارتكبت الجريمة في زمن حرب وترتب عليها إضرار بمركز البلاد الاقتصادي أو بمصلحة قومية لها.

ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات حسب الأحوال كل موظف عام استولى بغير حق على مال خاص أو أوراق أو غيرها تحت يد إحدى الجهات المنصوص عليها في المادة (119) من القانون أو سهل ذلك لغيره بأية طريقة كانت".

 فالمال العام وأموال المتبرعين ليست مساحة للاجتهاد الشخصي، بل مجال تحكمه قواعد صارمة، لأن حسن النية وحده لا يكفي عندما يتعلق الأمر بحقوق الناس وأموالهم.

 وعندها لا يعود السؤال: كيف يخدم المسئول الناس؟ بل يصبح السؤال: كيف يزيد السيطرة؟ وكيف يوسع النفوذ؟ وكيف يضمن بقاء المشهد كما هو؟

والحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها أن الفساد الإداري الكبير لا يعيش وحيدًا، فالموظف الصغير قد يخطئ منفردًا، لكن المسئول الكبير في المؤسسة والتي أصبحت إقطاعية للفساد، ويسيء استخدام سلطته لفترة طويلة داخل مؤسسة خدمية أو تعليمية أو طبية أو في كلية أو مستشفى، لا بد أن يكون قد وجد من يغض الطرف، أو من يبرر، أو من يستفيد، أو من يفضل السلامة على المواجهة، من شركاء أعلى منه سلطة ونفوذ في الجهة التي تتبعها هذه المؤسسة، فالفساد الذي يستمر سنوات ليس مجرد انحراف فردي، بل هو شبكة مصالح متبادلة، كل طرف فيها يظن أنه يحمي الآخر، بينما الحقيقة أن الجميع يساهم في حماية الفساد نفسه. 

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس فقط: من ارتكب الخطأ؟ بل أيضًا.. من سمح باستمراره؟ ومن أغلق عينيه عنه؟ ومن كان واجبه الرقابة فاكتفى بالمشاهدة والدعم والصمت؟

ومن هنا تبدأ ممارسات السيطرة التي يعرفها كل من عمل داخل مؤسسة اختُطفت من أصحابها الحقيقيين، ويبدأ الأمر بإعادة تشكيل مجالس الإدارة واللجان حتى تصبح النتائج معروفة قبل انعقاد الاجتماعات، ثم تتحول المجالس إلى مجرد ختم يضفي الشرعية، ويغسل قرارات اتخذت مسبقًا. ثم يتم الدفع بالموالين إلى المواقع المؤثرة، ليس لأنهم الأكفأ، بل لأن ولاءهم مضمون، ويصبح معيار الاختيار هو القدرة على الصمت لا القدرة على الإنجاز، وتتحول إعلانات الوظائف أحيانًا من وسيلة لاختيار الأفضل إلى وسيلة لاستبعاد الأفضل، فتُصاغ الشروط بطريقة تخدم أشخاصًا بعينهم أو تمنع منافسين بعينهم، أو تلغى الإعلانات بغير مبررات رغم توافر الكفاءات المتسابقة من خلالها، وتصبح الخبرات الحقيقية عبئًا لأنها تطرح أسئلة محرجة، بينما يصبح أصحاب المجاملات هم الأكثر حظًا في الصعود. 

ثم تأتي مرحلة أخطر، حين يبدأ المسؤول في التفكير في اليوم التالي لخروجه من المنصب قبل أن يغادره بسنوات، فيرتب المواقع، ويعيد توزيع النفوذ، ويزرع التابعين في أماكن القرار، ويؤسس شبكة ولاءات تضمن بقاء تأثيره حتى بعد مغادرته، وكأن المؤسسة لم تعد ملكًا للدولة أو للمجتمع، بل إرثًا شخصيًا ينتقل من جيل إلى جيل داخل نفس الدائرة المغلقة.

والأخطر من كل ذلك أن هذا النوع من مسئولي الفساد لا يعيش في الضوء، بل يفضل الظلال، يفضل الغرف المغلقة ويحتمي بجدرانها، يفضل أن تصل إلى الجهات الرسمية تقارير مصقولة وصور براقة وكلمات منمقة، أما الحقيقة فتظل حبيسة المكاتب والخوف والحسابات الصغيرة.

 ولهذا فإن أكبر خطر على أي مؤسسة ليس وجود مسؤول سيئ، فالمسؤول السيئ يمكن تغييره، لكن الخطر الحقيقي هو بناء منظومة كاملة تجعل المسؤول أكبر من المؤسسة، وأكبر من اللوائح، وأكبر من الرقابة، وأكبر من النقد، والأخطر أن يدعمه ويغسل جرائمه مسئول أكبر منه، من المفترض أنه يحاسبه ويقف كحائط صد أمام جرائمه، وحين لا يفعل ذلك المسئول الأكبر الذي تتبعه المؤسسة، فلا شك أنه زعيم المافيا، والرجل الأول في العصابة. 

عند هذه اللحظة تحديدًا لا تعود المؤسسة كيان يخدم المواطن، بل تتحول إلى إقطاعية خاصة، لها حاكمها، ولها حاشيتها، ولها المنتفعون من بقائها أو ما يطلق عليهم "حراس الإقطاعية"، ولها ضحاياها الصامتون، أما أصحاب الرسالة الحقيقية الذين جاءوا لخدمة الناس، فيقفون على الهامش يتأملون المشهد بحسرة، يعرفون أن المكان كان يستحق أفضل من ذلك، ويعرفون أن التاريخ لا يرحم.

لكن ما يغيب عن أذهان بعض أصحاب هذه الإمبراطوريات الصغيرة أن الدولة قد تتأخر، لكنها لا تغيب، وأن أجهزة الرقابة قد تجمع الخيوط بصمت لسنوات قبل أن تتحرك ضد "تجار النفوذ"، وأن الشعور بالحماية هو أخطر ما يصيب الفاسد، لأنه يدفعه إلى التوسع والتمدد وارتكاب المزيد من الأخطاء، وكلما شعر أن أحدًا لن يقترب منه، اقترب بنفسه من حافة السقوط. 

والتاريخ الإداري في مصر مليء بمسؤولين ظنوا أن نفوذهم دائم، وأن علاقاتهم كافية لحمايتهم، ثم انتهى بهم الأمر إلى المساءلة أو العزل أو المحاكمة عندما اكتملت الصورة أمام جهات الدولة المختصة، فالدولة الحديثة لا تقوم على الأشخاص، بل على المؤسسات، ولا يمكن أن تقبل إلى الأبد بوجود مراكز قوة تتصرف باعتبارها فوق الرقابة أو فوق القانون.

فكل مؤسسة بُنيت على "مافيا المناصب"، انهارت مع الأشخاص، وكل مؤسسة قامت على الخوف سقطت يوم ولد هذا الخوف، وكل إمبراطورية صغيرة تقوم على "اقتصاد الولاء"، ظنت أن أبوابها محصنة اكتشفت متأخرة أن الجدران كانت تتآكل من الداخل.

 إن المؤسسات العظيمة لا تحتاج إلى رجال أقوياء، بل تحتاج إلى قواعد أقوى من الرجال، وتحتاج إلى رقابة أقوى من النفوذ، وتحتاج إلى شفافية أقوى من المجاملات، لأن اللحظة التي يصبح فيها شخص واحد هو صاحب الصوت الوحيد، هي اللحظة التي تبدأ فيها المؤسسة رحلة السقوط، حتى لو بدا للجميع أنها ما زالت واقفة.

أما الآن، فأظن أن الرسالة قد أصبحت واضحة للجميع.

وما أعلمه يقينًا أن الدولة المصرية لا تعمل بالصخب، بل تعمل في صمت، وأن أجهزة الرقابة والمتابعة لا تتحرك أمام الكاميرات بقدر ما تتحرك خلف الأبواب المغلقة، تجمع الخيوط وتقرأ التفاصيل وتراقب المشهد كاملًا.

ولذلك فإن بعض الذين يظنون أن جدران مكاتبهم تحجبهم عن أعين الدولة، يرتكبون أكبر أخطاء الغرور السياسي والإداري، فالدولة اليوم، وفي اللحظة التي أكتب فيها أقرب إليهم من تلك الجدران التي يجلسون خلفها، وأقرب إلى ملفاتهم من الأدراج التي يخفون فيها أسرارهم، وأقرب إلى دوائر نفوذهم من الحاشية التي تحيط بهم صباح مساء.

وإذا كان لديّ خوف حقيقي، فليس على أصحاب القرار الذين اختاروا طريقهم بإرادتهم، وإنما على هؤلاء الصغار الذين أُلحقوا بقوافل الولاء، وعلى أولئك الذين ارتدوا عباءة الصمت أو التصفيق أو التبرير، ظنًا منهم أن الفساد هو الأقوى، وأن النفوذ هو الأبقى، وأن أصحاب الإقطاعيات الإدارية لا يُهزمون.

إلى هؤلاء أقول: لا تجعلوا أنفسكم حراسًا لإقطاعية آيلة للسقوط، ولا جنودًا في معركة خاسرة، ولا شهود زور على مرحلة لن يرحمها التاريخ، فالفساد قد يبدو قويًا لبعض الوقت، وقد يبدو منتصرًا لبعض الوقت، وقد ينجح في إخافة الناس لبعض الوقت، لكنه لم ينتصر يومًا في مواجهة دولة قررت أن تستعيد مؤسساتها.

لقد علمتنا مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن الدولة قد تمهل، لكنها لا تهمل، وأنها قد تصمت، لكنها لا تغيب، وأنها قد تراقب طويلًا، لكنها حين تتحرك، فهي تتحرك وهي تملك الصورة كاملة.

ولذلك فإن الذين يتصورون أن من فوقهم سيحميهم إلى الأبد، أو أن شبكة المصالح التي صنعوها حول أنفسهم ستبقى حصنًا لا يُخترق، يراهنون على وهم كبير، فحين تسقط أول قطعة دومينو، يكتشف الجميع أن الحصانة كانت خيالًا، وأن النفوذ كان مؤقتًا، وأن الكراسي التي ظنوها أبدية لم تكن سوى مقاعد مستعارة.

هذه هي مصر التي نعرفها؛ دولة لا تنام، ومؤسسات لا تتوقف، وقيادة تدرك أن معركة البناء لا تكتمل إلا باجتثاث الفساد أينما كان، وأيًا كان صاحبه، ومهما ظن أن مكانه أو منصبه أو علاقاته قادرة على حمايته.

ولعل الأيام القادمة تكون كفيلة بأن تُذكر الجميع بحقيقة بسيطة طالما نسيها المتكبرون: أن أصحاب إقطاعيات الفساد، أماكنهم جاهزة في الليمان، فمصيرهم حتما في مزبلة التاريخ، ويبقى ما اقترفوه شاهدًا عليهم.

أخبار متعلقة :