عاد كتاب «الحقيقة الغائبة» للمفكر والكاتب الراحل الدكتور فرج فودة إلى دائرة الضوء مجددًا، متصدرًا اهتمامات المصريين على محرك البحث «جوجل»، بعد أكثر من ثلاثين عامًا على اغتيال مؤلفه في يونيو 1992، في مشهد يؤكد أن الأفكار المثيرة للجدل لا تموت بموت أصحابها، بل تظل حاضرة في المجال العام كلما تجددت الأسئلة المرتبطة بها.
ويُعد «الحقيقة الغائبة» أحد أبرز الكتب الفكرية التي أثارت نقاشًا واسعًا في مصر والعالم العربي منذ صدوره في ثمانينيات القرن الماضي، إذ قدم فيه فرج فودة قراءة نقدية للتاريخ السياسي الإسلامي، محاولًا التمييز بين الدين بوصفه عقيدة روحية وقيمًا أخلاقية، وبين التجارب السياسية التي حملت شعارات دينية عبر التاريخ.
كتاب أثار جدلًا واسعًا
جاء الكتاب في سياق الجدل الفكري والسياسي الذي شهدته مصر خلال ثمانينيات القرن العشرين حول قضايا الدولة المدنية، وتطبيق الشريعة، والعلاقة بين الدين والسياسة.
وفي مقدمته، يؤكد فودة أن كتابه ليس بحثًا في العقيدة أو الإيمان، وإنما محاولة لقراءة التاريخ السياسي للمسلمين وتحليل الوقائع التاريخية بعيدًا عن التقديس أو الأحكام المسبقة.
وينطلق المؤلف من فكرة أساسية مفادها أن التاريخ الإنساني، بما فيه تاريخ المسلمين بعد وفاة الرسول الكريم، يظل مجالًا مفتوحًا للبحث والنقد والتحليل، وأن الوقائع السياسية ليست بمنأى عن المراجعة الفكرية. كما يشدد على أهمية العقل والمنطق في فهم الأحداث التاريخية واستيعاب دلالاتها.
بين «الإسلام الدين» و«الدولة الدينية»
يطرح الكتاب عددًا من الأسئلة التي كانت محل جدل واسع في فترة صدوره، وفي مقدمتها قضية الدولة الدينية ومفهوم الخلافة وتطبيق الشريعة.
ويرى المؤلف أن الدعوة إلى إقامة دولة دينية تستلزم تقديم برنامج سياسي واضح يعالج قضايا الحكم والاقتصاد والتعليم والإدارة، لا الاكتفاء بالشعارات العامة.
وقد ناقش هذه القضية عبر استعراض نماذج تاريخية وتجارب مختلفة في الحكم الإسلامي، محاولًا الكشف عن تعقيدات العلاقة بين النصوص الدينية والتطبيقات السياسية.
كما يتوقف الكتاب عند مفهوم الاجتهاد، معتبرًا أن كثيرًا من الإشكاليات المعاصرة تحتاج إلى اجتهادات جديدة تتناسب مع متغيرات العصر، بدلًا من الاكتفاء بإعادة إنتاج اجتهادات تاريخية ارتبطت بظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة.
قراءة للتاريخ السياسي الإسلامي
خصص فرج فودة جزءًا كبيرًا من الكتاب لمناقشة أحداث الخلافة الراشدة، مستعرضًا الخلافات السياسية التي شهدتها تلك المرحلة، ومعتبرًا أن دراسة هذه الوقائع تكشف أن العدالة السياسية لا تتحقق بمجرد صلاح الحاكم أو تدين المجتمع، وإنما تحتاج إلى مؤسسات وقواعد واضحة للمحاسبة والرقابة وتنظيم تداول السلطة.
ومن خلال استعراضه لبعض أحداث التاريخ الإسلامي المبكر، حاول المؤلف البرهنة على أن المشكلات السياسية التي عرفتها المجتمعات الإسلامية لم تكن مرتبطة بضعف الإيمان أو غياب التدين، بقدر ارتباطها بطبيعة نظم الحكم وآليات إدارة الدولة.
إرث فكري لا يزال محل نقاش
ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على رحيل فرج فودة، فإن كتاب «الحقيقة الغائبة» ما زال يحتفظ بقدرته على إثارة الجدل وإعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتاريخ والسياسة والدين.
وبين مؤيد لأطروحاته ومعارض لها، يبقى الكتاب واحدًا من أبرز الأعمال الفكرية التي تركت أثرًا واضحًا في مسار الجدل الثقافي والسياسي العربي خلال العقود الأخيرة.
ولعل عودته إلى صدارة اهتمامات المصريين اليوم تؤكد أن القضايا التي ناقشها لم تُحسم بعد، وأن الأسئلة التي أثارها لا تزال تبحث عن إجابات في واقع عربي يشهد تحولات متسارعة، فيما يظل الكتاب شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الفكر المصري المعاصر، وعلى حضور الكلمة وقدرتها على البقاء رغم غياب أصحابها.
أخبار متعلقة :