لم تكن الزيارة التي تقوم بها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، إلى العاصمة الفرنسية باريس مجرد سلسلة من اللقاءات البروتوكولية أو الأنشطة الثقافية التقليدية، بل بدت أقرب إلى جولة دبلوماسية ثقافية متكاملة، تحمل رؤية جديدة لإعادة تموضع الثقافة المصرية على الساحة الدولية، وتعزيز حضورها داخل أهم المؤسسات الفكرية والفنية والأكاديمية في أوروبا.
فخلال أيام قليلة، تنقلت وزيرة الثقافة بين مؤسسات تمثل رموزًا عالمية للمعرفة والإبداع؛ من معهد العالم العربي، إلى مدينة الموسيقى وأوركسترا باريس، مرورًا بمتحف اللوفر وجامعة السوربون الجديدة، لتؤكد أن الثقافة المصرية تمتلك اليوم مشروعًا يتجاوز فكرة التمثيل الخارجي إلى بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد قادرة على إنتاج المعرفة وتبادل الخبرات وفتح آفاق جديدة أمام المبدعين المصريين.
وتأتي أهمية هذه الجولة في توقيتها، إذ تشهد العلاقات المصرية الفرنسية حالة من الزخم السياسي والثقافي غير المسبوق، وهو ما انعكس بوضوح في طبيعة الملفات التي ناقشتها الوزيرة مع مسؤولي المؤسسات الفرنسية المختلفة.
فلم يعد التعاون الثقافي مقتصرًا على تنظيم الفعاليات أو تبادل الوفود، وإنما امتد ليشمل قضايا أكثر عمقًا تتعلق بالصناعات الثقافية والإبداعية، والتعليم الفني، وصون التراث، وإتاحة المحتوى الثقافي، وبناء القدرات البشرية.
في معهد العالم العربي، أحد أبرز المؤسسات المعنية بالتعريف بالحضارة العربية في أوروبا، ركزت المناقشات على تطوير برامج مشتركة تبرز ملامح الثقافة المصرية المعاصرة، إلى جانب الحفاظ على التراث المصري والتعريف به، كما حمل الحديث عن التعاون السينمائي دلالة مهمة، خاصة مع وجود أرشيف كبير للأفلام المصرية داخل المعهد، وهو ما يفتح الباب أمام استعادة حضور السينما المصرية في المشهد الثقافي الأوروبي بصورة أكثر فاعلية وتأثيرًا.
أما اللقاء مع مسؤولي مدينة الموسيقى وأوركسترا باريس والكونسرفاتوار الوطني الفرنسي، فقد كشف عن توجه جديد يربط بين الثقافة والتنمية البشرية. فمناقشة برامج تبادل الطلاب بين المؤسسات الفنية المصرية والفرنسية، وإتاحة الفرص أمام دارسي الموسيقى والفنون للاحتكاك بالتجارب العالمية، تمثل استثمارًا طويل الأمد في العنصر البشري، وهو أحد أهم عناصر القوة الناعمة لأي دولة.
وجاءت محاضرة الوزيرة في متحف اللوفر لتقدم نموذجًا مختلفًا للدبلوماسية الثقافية المصرية، فالمحاضرة لم تكن مجرد عرض أكاديمي حول جزيرة بيجة بأسوان، وإنما كانت رسالة حضارية تؤكد قدرة مصر على إنتاج المعرفة المتعلقة بتراثها وتقديمها للعالم من خلال خطاب علمي رصين. كما عكست اهتمام الدولة بإعادة اكتشاف مناطق أثرية لم تحظ بالاهتمام الكافي، وطرحها ضمن خريطة التراث الإنساني العالمي.
واكتسبت هذه المحاضرة أهمية إضافية لأنها أعادت التأكيد على قضية جوهرية تتمثل في ضرورة التعاون الدولي لحماية التراث الثقافي، خاصة في ظل التحديات التي تواجه المواقع الأثرية حول العالم، ومن هنا بدا الحديث عن الشراكة مع المؤسسات العلمية والمتاحف الكبرى جزءًا من رؤية أشمل تتجاوز الحدود الوطنية نحو مفهوم التراث الإنساني المشترك.
وفي محطة أخرى لا تقل أهمية، جاء اللقاء مع رئيس جامعة السوربون الجديدة ليعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الصناعات الثقافية والإبداعية باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد المعرفي في العالم المعاصر. فقد ركزت المناقشات على مجالات السينما والمسرح والفنون السمعية البصرية والدراما، وهي قطاعات تمتلك مصر فيها تاريخًا طويلًا وإمكانات كبيرة تؤهلها لاستعادة دورها الريادي إقليميًا ودوليًا.
كما حمل اللقاء رسالة واضحة مفادها أن تطوير الثقافة لم يعد منفصلًا عن تطوير التعليم والتدريب والبحث العلمي، وأن بناء جيل جديد من المبدعين يحتاج إلى شراكات أكاديمية عالمية قادرة على نقل الخبرات وتطوير المهارات وفتح مسارات جديدة للإبداع.
وتكشف القراءة الشاملة لهذه الجولة أن وزارة الثقافة تتحرك وفق رؤية تستند إلى ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها تعزيز الحضور الدولي للثقافة المصرية، وثانيها الاستثمار في الإنسان المبدع من خلال التعليم والتدريب والتبادل الثقافي، وثالثها توظيف التراث المصري باعتباره ركيزة للحوار الحضاري والتعاون الدولي.
وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، تبدو هذه المقاربة أكثر أهمية من أي وقت مضى، خاصة أن الدول لم تعد تتنافس فقط عبر الاقتصاد والسياسة، بل عبر قدرتها على التأثير الثقافي وصناعة الصورة الذهنية الإيجابية، ومن هنا يمكن النظر إلى جولة وزيرة الثقافة في باريس باعتبارها خطوة مهمة ضمن مشروع أوسع لإعادة تنشيط القوة الناعمة المصرية، واستعادة موقع الثقافة المصرية بوصفها أحد أهم الجسور التي تربط مصر بالعالم.
لقد قدمت الجولة نموذجًا لكيفية توظيف الثقافة كأداة للدبلوماسية والتأثير الدولي، وأكدت أن مصر تمتلك من التاريخ والموهبة والمؤسسات ما يؤهلها لأن تكون شريكًا رئيسيًا في صناعة المشهد الثقافي العالمي، لا مجرد مشارك فيه.
أخبار متعلقة :